يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمتلك موهبة نادرة في توحيد الشعوب، ولكن ليس بالطريقة التي يتخيلها.
بعدما نجح، دون أن يدري، في توحيد المصريين خلف الرئيس عبد الفتاح السيسي دعما للموقف المصري الثابت تجاه القضية الفلسطينية ورفض مخططات التهجير وتصفية القضية، ها هو اليوم يعيد الكرة ولكن على نطاق أوسع: توحيد العرب جميعًا في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية!
ترامب، المعروف بتصريحاته التي لا تخلو من الحماسة الزائدة والارتجالية، أعاد الجدل مؤخرًا حول دعمه المطلق لـ إسرائيل، متوعدًا بمزيد من السياسات التي تتجاهل الحقوق العربية والفلسطينية.
ولكن بدلاً من أن يثير الخلافات، نجح هذه المرة في تحقيق معجزة سياسية: توحيد العرب بمختلف تياراتهم، من المحيط إلى الخليج، خلف قضية واحدة.
العالم العربي ليس كيانًا هامشيًا يمكن تجاوزه، بل هو قوة جيوسياسية واقتصادية وعسكرية هائلة، تملك من المقومات ما يجعلها قادرة على فرض إرادتها على الساحة الدولية لو توحدت الإرادة السياسية، بمعنى أدق فإن مقدرات الأمة العربية، قوة ردع تنتظر التفعيل.
* عسكريًا: تمتلك الدول العربية جيوشًا تُعد من الأقوى عالميًا، حيث يضم الوطن العربي أكثر من 4 ملايين جندي في الخدمة الفعلية والاحتياط، مدعومين بأسلحة متطورة، بما فيها مقاتلات حديثة، دبابات، وأنظمة دفاع جوي.
كما أن هناك دولًا عربية ضمن قائمة الأكثر إنفاقًا على التسلح، ما يجعلها قادرة على بناء منظومة ردع قوية.
* اقتصاديًا: تمتلك الدول العربية أكثر من 50% من احتياطيات النفط المؤكدة عالميًا، وهي مورد استراتيجي تعتمد عليه كبرى القوى الاقتصادية.
إضافة إلى ذلك، فإن العالم العربي غني بالغاز الطبيعي، ويسيطر على ممرات بحرية حيوية تمر عبرها التجارة العالمية.
لو تم استثمار هذه الموارد بشكل جماعي، يمكن للعرب امتلاك سلاح اقتصادي قادر على قلب موازين القوى.
* جغرافيًا: يمتد العالم العربي على مساحة تزيد عن 13 مليون كيلومتر مربع، تربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وتشرف على مضائق استراتيجية مثل مضيق هرمز، قناة السويس، ومضيق باب المندب، التي تمر عبرها إمدادات الطاقة والتجارة العالمية.
هذه المواقع تمنح العرب القدرة على التحكم في طرق التجارة الدولية، لو أحسنوا استغلالها.
* ديموغرافيًا: يضم العالم العربي أكثر من 400 مليون نسمة، يشكلون كتلة بشرية هائلة، بقدرات علمية وصناعية متزايدة.
الشباب العربي، الذي يمثل النسبة الأكبر من السكان، يمكن أن يكون عنصر قوة في أي مشروع نهضوي لو تم توجيهه بشكل صحيح.
اليوم، وبينما تستعد الدول العربية لعقد قمة طارئة، يطرح السؤال نفسه: هل يستيقظ العرب ونشهد موقفًا عربيًا موحدًا أخيرًا؟ وهل يفيق العرب قبل فوات الأوان، مدركين أنهم لا ينقصهم شيء ليكونوا قوة يُحسب لها ألف حساب؟
على طريقة «رب ضارة نافعة»، يبدو أن العرب، بعد عقود من التباعد السياسي، وجدوا في تصريحات ترامب ونتنياهو، دافعًا لتنسيق المواقف، وإعادة رسم أولوياتهم، وربما حتى إعادة النظر في بعض الاتفاقيات التي ظن البعض أنها مسلمات.
باختصار.. إن كان التاريخ يسجل الأحداث العظيمة، فربما يُسجل يومًا أن ترامب، بلسانه الذي لا يعرف «الفرامل»، ساهم دون قصد في إعادة الروح للتضامن العربي، وخلق جبهة موحدة لمواجهة الغطرسة الإسرائيلية.
وهنا يكمن السؤال: هل يدرك ترامب أنه، بدلاً من خدمة حلفائه، ربما يكون قد زرع بذور تحوّل عربي جديد؟!