لا تزال إسرائيل تمضي في عدوانها الواضح على الشعب الفلسطيني، مستغلة كل أدوات القمع والتنكيل لفرض واقع يقترب من إعادة عقارب الزمن إلى عصور الظلام.
منذ بداية الهجوم الأخير، شدّدت إسرائيل حصارها القاسي على قطاع غزة، قاطعة عنه مصادر العيش الأساسية، بما في ذلك الغذاء والمياه والدواء، مما حول حياة أكثر من مليوني شخص يعيشون هناك إلى مأساة كبرى يتعذر وصفها.
قطاع غزة، الذي يُعرف بكونه أكبر سجن مفتوح في العالم، تحول اليوم إلى مقبرة جماعية للحياة. دخول المساعدات الإنسانية أو الطبية بات مستحيلًا، وكل ما يتحرك بات هدفًا للاستهداف.
القصف الإسرائيلي المكثف للمنازل والبنى التحتية تسبب في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية التي يعرفها العصر الحديث. ومع استمرار الحصار الخانق، تضاعفت معاناة السكان، حيث ارتفعت معدلات الجوع وتفشت الأمراض وسط انهيار النظام الصحي ونقص الوقود اللازم لتشغيل المستشفيات.
ما يحدث في غزة يتعدى حدود الحروب التقليدية، بل هو نموذج للإبادة المنظمة، إذ تستخدم إسرائيل سياسة العقاب الجماعي لتحكم على المدنيين بالموت البطيء. وعلى الرغم من أن هذا السلوك يُعد خرقًا صارخًا للقانون الدولي وتصنيفًا واضحًا كجرائم حرب، تستمر ممارسات إسرائيل دون أن تواجه أي مساءلة دولية، في ظل الدعم السياسي والتواطؤ المعلن من بعض القوى العالمية.
حتى شهر رمضان، الذي يُفترض أن يكون فترة للرحمة والسلام، لم يردع آلة الحرب الإسرائيلية. قصف بلا توقف، وحصار خانق جعل أهالي القطاع عاجزين حتى عن تأمين قوت يومهم في هذا الشهر الفضيل.
وبينما يجتمع المسلمون حول موائد الإفطار مع عائلاتهم حول العالم، يعاني سكان غزة الحرمان من أبسط مقومات الحياة؛ فلا غذاء، ولا ماء، ولا كهرباء، والأسواق والبنية التجارية تتعرض للتدمير بشكل ممنهج.
ورغم هذا الواقع الكارثي، يظل الشعب الفلسطيني صامدًا بإرادة لا تُقهر، متمسكًا بحقه في العيش والحرية. استهداف الإرادة الفلسطينية عبر محاولات كسر الصمود لم تحقق أهدافها، بل على العكس، أكّد الفلسطينيون مرارًا أن إصرارهم على البقاء أقوى من أي آلة حرب. فالاحتلال قد يتمادَى بعنفه وجبروته، لكن إرادة الحياة والمقاومة تبقى دائمًا الأقوى.
إسرائيل تسعى من خلال الضغط الهائل والاستراتيجيات المدروسة لدفع سكان غزة نحو الهجرة القسرية والتخلي عن أرضهم. سياسات تدمير المنازل وقتل المدنيين وتجويع البشر وغياب الأمن حتى في أماكن الاحتماء ليست سوى أدوات تهدف إلى تحويل الأرض إلى كابوس يومي يدفع السكان للفرار.
مع ذلك، وفي وجه كل هذا الألم والمعاناة الاستثنائية، يرفض الفلسطينيون الانكسار أو التخلي عن حقوقهم التاريخية. الأرض التي سُقيت بدماء الشهداء ستبقى للأجيال القادمة عنوانًا للصمود والتشبث بالهوية.
باختصار.. ما تعانيه غزة اليوم ليس مجرد أزمة إنسانية ضمن سياق الأزمات الدولية المعتادة، بل هو جريمة مكتملة الأركان بحق الإنسانية جمعاء. بات من الضروري أن يتحرك المجتمع الدولي فورًا لوقف هذه الكارثة وإنهاء الحصار المفروض وفرض حلول عادلة تتجاوز الإدانة الشكلية التي عجزت عن تغيير أي واقع على الأرض. الشعوب تنتظر العدالة، والواجب الإنساني لن يغفر صمت العالم أمام هذه المأساة المستمرة.