كتاب «كليلة ودمنة» يعد من الأعمال الأدبية الفريدة التي تجسد الحكمة الإنسانية الخالدة. تأصلت جذورها في التراث الهندي، ثم انتقلت بجهد الفرس وأُعيدت صياغتها بأسلوب عربي بديع، مما جعلها حجر زاوية في التراث الثقافي العالمي.
في مقدمة إحدى طبعات الكتاب، أشار الدكتور طه حسين، عميد الأدب العربي، إلى أهمية هذا العمل الذي تأتي حكاياته كلها على ألسنة الحيوانات. كان الهدف منها نشر قيم التعاون والخير ومحاربة الظلم والعدوان.
من بين تلك الحكايات، يأتي الحوار الشهير بين «دمنة»، السنجاب الذي يُعد بطلاً للعديد من القصص. في أحد الأيام، أُحضر «دمنة» أمام الملك الأسد متَّهماً بتجاوز حدوده في الحديث معه.
عندما وُضع أمام القاضي، خاطبه قائلاً: «سيدي القاضي، ليس من العدل أن تُقدم الملوك المظلومين ومن لا ذنب لهم إلى قاضٍ غير عادل، للحكم عليهم دون وجه حق».
رد عليه القاضي: «إن صمت هؤلاء الذين جاءوا بك ولم يدافعوا عنك دليلٌ على اجتماعهم على أنك مذنب، وعليه لا أرى مخرجاً سوى اعترافك بذنبك!».
عندها أجاب «دمنة»: «القاضي لا يحكم بالظنون سواء كانت من العامة أو الخاصة؛ بل يجب أن تكون الأحكام مبنية على أدلة قاطعة. فالمكر والخداع لا ينبغي أن يكونا جزءاً من أخلاق القضاة».
عندما سمع الأسد كلمات دمنة، خشيَ من مكره وحِكمته. ولإثبات التهمة، استدعى الفهد والنمر ليشهدا ضد دمنة. لكنهما لم يقدما أي دليل، وعجز الملك عن إثبات الجرم. وهكذا فهم الأسد الدرس العميق في مقولة: «القول بلا منفعة».