إذا الشعب أراد الحياة يوماً، فلا بد أن يستجيب القدر، ولا بد لليل أن ينجلي، ولا بد للقيد أن ينكسر. هذه الأبيات العظيمة من إبداع الشاعر أبو القاسم الشابي، الذي رحل عن عالمنا عام 1934، وقد أُضيفت إلى النشيد الوطني التونسي الذي كتبه العلامة المصري مصطفى صادق الرافعي. لقد اختصر الشابي في هذين البيتين، دون تنظير زائد أو تعقيد، حقيقة أن مصير الشعوب يعتمد على إرادتها ورغبتها الصادقة في التغيير.
ولكن لتحقيق هذه الرؤية، ينبغي على الشعب تجاوز أزمات الشخصية العربية التي تحدث عنها الشابي في بعض كتاباته النثرية؛ تلك الشخصية التي اعتادت تقليد الماضي واستنساخه حدَّ الجمود، مما ولَّد داخلها خوفاً من المستقبل وقبولاً بالواقع كما هو. فمن شعبٍ جائع يدّعي الشبع لا يمكن أن يُنتظر منه التغيير.
لذلك، جاءت دعوة الشاعر لتحطيم قيود الخوف والسعي للحياة الحقيقية، الحياة التي تعني الكرامة والحرية دون امتهان. فالإنسان وُلد حراً، وهذا ما يميّز الإنسان الحي عن الميت.
الحياة في منظور الشابي تحمل في طياتها قيم المحبة بين البشر وحق الاختيار الذي منحه الله للإنسان ليعيش بالأمل ويواصل رحلته في صحراء الزمن. وإن وقع الإنسان في خطأ نتيجة اختياراته فلا عيب في ذلك، وإنما العيب الحقيقي هو فقدان الرأي وانعدام الإرادة.
الحرية في الاختيار تنبع من الداخل، لكن ما حولنا غالباً محاط بانحدار فكري واجتماعي غارق في النفاق، أي القبول بالظلم والاستسلام للقيود. وهكذا يعيش الإنسان في ليل طويل بلا أفق.
هذه الأبيات كانت شعلة ثورة الشعب التونسي وأيقونة الربيع العربي الذي انطلق أولاً من تونس. لكن للأسف، هذا الربيع انقلب في كثير من المناطق إلى خريف قاتم.