لعقود طويلة، كانت الدول العربية، وخاصة الخليجية، تضخ تريليونات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي عبر الاستثمارات وشراء الأسلحة واتفاقيات التعاون الاقتصادي.
اللافت أن هذه الأموال لا تعود بالفائدة الحقيقية على الدول العربية، بل تُستخدم في كثير من الأحيان لتكريس سياسات تخدم الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، وتعزز التفوق الإسرائيلي في المنطقة.
هذا الدعم المستمر يثير تساؤلات جوهرية: هل هذه الاستثمارات تخدم المصالح العربية؟ أم أنها تساهم في تمويل سياسات تؤدي في النهاية إلى المزيد من الأزمات والحروب داخل العالم العربي؟
المعادلة تبدو واضحة.. العرب يدعمون أمريكا اقتصاديًا، بما يشبه «تحويشة العمر»، سواء من خلال النفط، أو شراء الأسلحة، أو الاستثمارات المباشرة.
أمريكا تستخدم هذا الدعم لتأمين تفوقها العالمي وتعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع إسرائيل.
إسرائيل تحصل على دعم غير محدود من واشنطن، سواء عسكريًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا، ما يمكنها من الاستمرار في التوسع والاستيطان، وقمع أي مقاومة عربية.
في المقابل، تتقلص قوة الدول العربية، حيث تتآكل سيادتها لصالح القوى الكبرى، وتزداد الخلافات الداخلية التي تُضعف أي مشروع وحدوي أو نهضوي حقيقي.
هذا الواقع يُظهر أن المال العربي لا يُستخدم لصالح التنمية الإقليمية، بل يتم توظيفه ضمن سياسات تجعل المنطقة أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للتدخلات الخارجية والصراعات المستمرة.
كانت القاعدة الأخلاقية تقول إن «الأقربون أولى بالمعروف»، لكن يبدو أن هذه القاعدة لم تعد تُطبق في السياسات العربية، حيث يُفضل البعض ضخ الأموال في الاقتصاد الأمريكي، بدلًا من استثمارها في دعم الشعوب العربية التي تعاني من الفقر والبطالة والنزاعات.
في المقابل، نجد أن واشنطن وإسرائيل تعملان وفق مبدأ «المصالح أولًا»، حيث لا تتردد أمريكا في تقديم دعم غير مشروط لإسرائيل، حتى لو كان ذلك على حساب العلاقات مع الدول العربية.
والنتيجة أن العرب هم الطرف الوحيد الذي يخسر في هذه المعادلة، بينما تتربع أمريكا على عرش القوة العالمية، وتواصل إسرائيل توسعها دون أي رادع.
السؤال الأهم: ماذا لو تغيرت هذه الأولويات؟ ماذا لو استُخدمت هذه التريليونات في بناء اقتصاد عربي متين، وتعزيز التعاون بين الدول العربية، وتمويل مشروعات تنموية تخدم الشعوب العربية بدلًا من دعم قوى خارجية لا تعمل إلا لمصلحتها؟
اقتصاديًا: يمكن توجيه هذه الأموال لإنشاء مشاريع صناعية وزراعية وتقنية داخل الدول العربية، مما يعزز الاستقلال الاقتصادي، ويقلل من الارتهان للخارج.
عسكريًا: بدلًا من شراء أسلحة بمليارات الدولارات من أمريكا، يمكن استثمار هذه الأموال في بناء منظومات دفاعية عربية متطورة، تضمن حماية الدول دون الحاجة للوصاية الخارجية.
سياسيًا: يمكن العمل على توحيد الصف العربي، وخلق سياسات مشتركة لمواجهة التحديات بدلًا من الاستمرار في الخلافات التي تستنزف الجميع.
باختصار.. ما يحدث اليوم ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو نمط مستمر يهدد مستقبل العالم العربي. وبينما تنعم أمريكا وإسرائيل بمردود هذه السياسات، تتراجع الدول العربية اقتصاديًا وسياسيًا واستراتيجيًا.
الوقت لم يفت بعد، لكن التغيير يتطلب وعيًا وإرادة حقيقية لإعادة ترتيب الأولويات، حتى لا تبقى المنطقة العربية مجرد ساحة لتنفيذ أجندات الآخرين، بينما تضيع فرصها في النهوض والتقدم.