لقد أصبحت القيم المغشوشة متفشية في مجتمعنا لدرجة أن القيم الأخلاقية الحقيقية باتت في نظر الكثيرين عائقاً يمنع أصحابها من تحقيق النجاح أو التحليق في فضاء الحياة.
كما أُفرغ السلوك الأخلاقي من جوهره الحقيقي ليصبح مجرد مظاهر شكلية تُختزل ضمن حدود الحياة الخاصة، وغدت الأخلاق بالنسبة للبعض مجرد أفكار عائمة ليس لها أثر ملموس.
ترى شريحة واسعة أن رفض الانجرار وراء هذه القيم الزائفة هو نوع من الجمود أو الكسل الفكري الذي لا يتماشى مع طبيعة المرحلة الحالية حيث تراجع العلم وحل مكانه الجهل، ترافقاً مع انتشار مظاهر مثل الطمع والجشع والحسد والكراهية. هذه الدينامية تخلق بيئة اجتماعية حافلة بالفوضى، وترتفع وتيرتها لتصل إلى حد الفتن التي تمزق المجتمعات.
في وسط هذا المناخ المضطرب وغير الصحي، يظهر من ينصحنا بالقبول بالأمر الواقع، ويطالبنا بالصمت تجاه الظلم والجوع، وكأننا نحن الجهال الذين لا ندرك شيئاً مما حولنا.
بل قد يصل الأمر إلى ممارسة الضغط بطرق الترغيب أو الترهيب لدفع الناس إلى الاستسلام. لكن مثل هذه النصائح تنتهي دائماً بنتائج مُدّمرة، لأنها تناقض الفطرة الإنسانية التي تستحق الكرامة والمقاومة.
هنا نستذكر الحكمة البليغة للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال: إن من الناس من يعبدون خوفاً فتلك عبادة العبيد، وهناك من يعبدون طمعاً فتلك عبادة التجار، في حين أن الأحرار هم أولئك الذين يعبدون الله شكراً.
الإنسان وُلد حرّاً، ومن واجبه أن يُدرك مسؤوليته الذاتية في إقامة القيم الأخلاقية سواء تجاه نفسه أو تجاه الآخرين. عليه أن يواجه الرذائل بشجاعة لأن العقل يصاب بالعجز عندما يُصبح غير قادر على التفريق بين الخير والشر في تلك اللحظة. فقط بهذا الوعي يمكن للفرد أن يُقيّم المجتمع الذي يعيش فيه؛ هل هو مجتمع أخلاقي أم متخلف؟ فالرذيلة تشكل الطريق المؤدي إلى انهيار الأمم وهلاكها.