تحولت القاهرة خلال الأيام الأخيرة إلى مركز دبلوماسي نابض بالتحركات الدولية، في مشهد يعكس ثقلها الإقليمي ودورها المحوري في ملفات الصراع الإقليمي، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
وبينما تشتد آلة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، جاءت التحركات المصرية بمثابة جدار سياسي صدٍّ في مواجهة التغول الإسرائيلي على الأبرياء.
في مشهد يعبّر عن وحدة الرؤية وتكامل الأدوار، استضافت القاهرة قمة ثلاثية جمعت الرئيس عبد الفتاح السيسي، ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، وذلك في إطار مساعٍ حثيثة لوقف نزيف الدم في غزة، ومنع انزلاق الأوضاع إلى سيناريوهات أكثر كارثية.
قمة القاهرة الثلاثية حملت رسائل واضحة، أهمها أن المنطقة لا تتحمل مزيدًا من الصراعات المفتوحة، وأن الحل لا يكون بالقوة، بل بعودة العقل والمنطق، وفرض إرادة السلام العادل.
الرئيس السيسي أكد خلال القمة أن «مصر لن تتخلى عن دورها التاريخي في دعم القضية الفلسطينية»، مشددًا على أن «أمن المنطقة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوقف العدوان الإسرائيلي، وفتح ممرات إنسانية عاجلة للمدنيين في غزة».
وفي الوقت الذي كانت فيه صواريخ الاحتلال تُمطر غزة، كانت القاهرة تُطلق دبلوماسيتها الهادئة والفاعلة، من خلال اتصالات مكثفة مع الأطراف الدولية، وإيصال رسائل قوية للغرب بأن السكوت عن الجرائم في فلسطين هو بمثابة تواطؤ.
هنا القاهرة.. المدينة التي لا تنام حين يُنتهك الحق، وحين يُذبح الأبرياء، وحين تُحاصر الكلمة خلف ركام البيوت. مصر اليوم، وبكل وضوح، تؤكد للعالم أنها بؤرة استقرار وليست هامشًا في معادلة الشرق الأوسط، وأنها إذا تحدثت، فالكل يصغي.
باختصار.. تعكس التحركات المصرية الأخيرة تحولًا نوعيًا في أداء السياسة الخارجية المصرية، حيث لم تعد تكتفي بدور الوسيط التقليدي، بل تبنت نهجًا استباقيًا دفاعيًا لحماية الأمن القومي العربي من بوابة غزة.
موقع مصر الجغرافي وتاريخها السياسي وثقلها العسكري يجعل من دورها ليس خيارًا، بل ضرورة إقليمية. ومن الواضح أن القاهرة ترسل رسائل متعددة الاتجاهات: إلى الاحتلال بأن التمادي له حدود، وإلى الغرب بأن المعايير المزدوجة تهدد السلم العالمي، وإلى شعوب المنطقة بأن مصر لم تتخلَّ يومًا عن القضية المركزية للأمة.
في قمة القاهرة، لم تكن الكلمات مجرد دبلوماسية تقليدية، بل كانت إعلان موقف، وإحياء مبدأ، وتأكيد دور إقليمي يتجدد بفاعلية كلما احتاجت الأمة لمن يقول «كفى».













