لم تكن الحرب الأخيرة على غزة مجرد فصل دموي جديد في صراع طويل، بل كانت لحظة مفصلية كشفت هشاشة النظام الإقليمي، وعرّت بوضوح طبيعة التحالفات والمصالح في منطقة الشرق الأوسط.
الحرب، رغم قسوتها، لم تكن محصورة في القطاع، بل فتحت أبواباً خلفية لصراعات سياسية وأمنية أعادت صياغة قواعد اللعبة في الإقليم.
تحالفات تتآكل وأخرى تتشكل
مع تصاعد القصف على غزة، بدا المشهد الإقليمي مرتبكًا. دول طبّعت حديثًا مع إسرائيل وجدت نفسها في موقف حرج، بين إدانة العدوان وإرضاء الشارع العربي من جهة، والحفاظ على مصالحها الأمنية والاقتصادية من جهة أخرى. الإمارات، على سبيل المثال، اختارت لغة دبلوماسية حذرة، بينما لجأت دول أخرى إلى الصمت.
في المقابل، سارعت إيران إلى استثمار الحدث سياسياً، معلنة دعمها لـ”محور المقاومة”، في محاولة لاستعادة الزخم الشعبي بعد احتجاجات الداخل. تركيا بدورها لم تتأخر في ركوب الموجة، مستعيدة خطابها الشعبوي الذي تستحضره عند كل مواجهة فلسطينية–إسرائيلية.
مصر على خط النار
وجدت مصر التي حملت على كاهلها تاريخيا القضية الفلسطينية، نفسها مرة أخرى في موقع الوسيط، لكن من دون أوراق ضغط كافية. فبين التوترات على حدودها الغربية، والضغوط الاقتصادية داخليا، رفضت مصر بقوة تهجير الفلسطينيين وأية محاولات لتصفية القضية، لم تكن القاهرة قادرة على فرض تهدئة بشروطها. ومع ذلك، تحركت سريعًا لتجنب الانفجار الشامل، حرصًا على أمنها القومي قبل أي اعتبار.
الخليج بين البراجماتية والانكشاف
في الوقت الذي تتعرض فيه المنطقة لهزات سياسية وأمنية متتالية، تُظهر دول الخليج قدرة عالية على البراجماتية. ومع أن هذه المرونة تبدو مبررة ضمن إطار تحقيق المصالح، إلا أنها في الوقت نفسه تسلط الضوء على هشاشة استراتيجية واضحة، خاصة مع الاعتماد المتزايد على القوى الكبرى لضمان الأمن الداخلي والخارجي.
السعودية، التي تقود مبادرة التهدئة مع إيران، وقفت أمام اختبار صعب: كيف تجمع بين الانفتاح الدبلوماسي على طهران والتقارب الأمني مع واشنطن، في وقت يشتعل فيه جنوب لبنان وغزة واليمن؟ أما قطر، فرغم حيويتها الإعلامية والإنسانية، لم تتمكن من التأثير بفعالية في موازين القوى.
فرصة ضائعة.. أم نظام إقليمي ميت؟
لقد كشفت هذه الحرب، كما لم تفعل سابقاتها، أن النظام العربي التقليدي لم يعد موجودًا. لا توجد جامعة عربية فاعلة، ولا موقف موحّد، ولا حتى لغة سياسية تجمع بين الأطراف. كل طرف يتحدث بلسان مصالحه، ولا شيء يوحّد المواقف سوى الإدانات الشكلية والبيانات الختامية.
ما ضاع هذه المرة لم يكن فقط الدم الفلسطيني، بل فرصة تاريخية لبلورة موقف عربي موحد يعيد تعريف معادلات القوة في الإقليم. فرصة لقول «لا» جماعية في وجه التجاوزات، وتأسيس مقاربة أمنية عربية مستقلة.
باختصار.. نحن في قلب مرحلة انتقالية لا ترحم، حيث يعاد رسم الخرائط بيد اللاعبين الكبار، بينما يغيب اللاعب العربي أو يُختزل في دور المشاهد. وإذا لم تتحرك العواصم العربية سريعًا لرسم استراتيجية إقليمية تتجاوز الانقسامات التقليدية، فسنظل نعيش على هامش الأحداث، وندفع ثمن الحسابات الكبرى التي لا نملك فيها رأيًا أو مكانًا.
samyalez@gmail.com














