العيد في وجدان الشعوب ليس مجرد مناسبة دينية عابرة أو عطلة رسمية يتبادل فيها الناس التهاني.. العيد، في حقيقته، مرآة تعكس حال الأمة، وتُظهر ما لا يُقال صراحة «حجم الفرح، وعمق الجراح، ودرجة الأمل في المستقبل».
كان العيد زمان يحمل نكهة مختلفة، رغم بساطة العيش وضيق ذات اليد، كان الفرح متاحًا للجميع.. البيوت تُنظَّف، الأرواح تُطهَّر، والقلوب تتسع للجميع، لم يكن أحد يسأل: كم لديك لتفرح؟ البساطة كانت تكفي، والناس كانوا أغنياء بالرضا، والتواصل، والمحبة.
الدولة حينها – رغم التحديات – لم تكن تعادي الفرح، بل كانت تسنده ولو بصمت، لم تكن هناك وفرة، لكن كانت هناك كرامة، وكانت القلوب تنبض بوطنية صادقة، وطمأنينة داخلية، وإحساس بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
أما عيد هذا الزمان، فقد صار عبئًا أكثر من كونه بهجة، الأسعار تلتهب، الأسواق تضيق، والأمهات يُدرن الميزانية كأنهن في معركة بقاء، الأطفال يطلبون، والآباء يتحسرون، والفرح مؤجل إلى إشعار آخر.
غاب البهاء عن تفاصيل العيد، لأن وجع الناس أصبح أكبر من مساحة الأمل، والسؤال الصامت الذي يملأ الوجوه: كيف نحتفل ونحن نعيش على حافة القلق، وتحت ضغط العوز، وفي ظل سياسات لا تعرف معنى الرحمة الاجتماعية؟
تغيّر العيد، لأن الدولة تغيّرت، والسلطة ابتعدت عن جوهر دورها كراعية للحد الأدنى من العدالة، المواطن بات يشعر أنه مجرد رقم في معادلات اقتصادية لا يفهمها، ولا يستفيد منها.
الإعلام الرسمي يُحدّثنا عن إنجازات كبرى، بينما المواطن يُحصي ما تبقّى في جيبه ليشتري ملابس العيد أو كيلو لحم.. لقد أصبح العيد عند البعض يوم كآبة لا فرح، ومناسبة للمقارنة بين ما كان وما هو كائن.
وإذا وسّعنا النظرة، سنجد أن هذا الانكسار في فرحة العيد ليس محصورًا في دولة دون أخرى، بل هو انعكاس لأزمة أكبر تعيشها الأمة العربية والإسلامية.
من غزة إلى صنعاء، من دمشق إلى الخرطوم، من القدس إلى بغداد، العيد يأتي حزينًا، باهتًا، محاصرًا بالجراح أو مدفونًا تحت أنقاض الحرب والتهميش والنسيان.
أعيادنا في العالم العربي صارت محطات للبكاء على أطلال حلم عربي تكسّر، وواقع إسلامي يتخبط بين الضعف والتفكك.
لم تعد القدس قضية مركزية كما كانت، ولا أصبحت قضايا الأمة موضع إجماع، فكل نظام مشغول بأزماته الداخلية، وكل شعب يبحث عن النجاة الفردية، فقد ضاعت البوصلة، وضاع معها جوهر العيد.
وعلى الرغم من كل هذا، لا يزال هناك أمل، فالعيد، مهما خفت نوره، يذكّرنا بما يمكن أن نكون عليه، وحين تُستعاد السياسة النبيلة، ويعود الحكم ليُبنى على الكرامة لا القمع، وعلى التنمية لا التجميل، حين يشعر المواطن العربي أن له دورًا في صناعة القرار، وأن صوته لا يُهمّش، وأن ثروات البلاد توزع بالعدل، ساعتها يعود العيد ليضحك من القلب.
العيد الحقيقي لا يُولد من ملابس جديدة، بل من وطن آمن، من عدالة تُنصف، ومن قيادة رشيدة تعي أن الفرح مشروع وطني لا رفاهية.
إذا أردنا لأعيادنا أن تستعيد روحها، علينا أولًا أن نعيد صياغة علاقتنا بالوطن، بالحكم، بالحق، وبالحرية، ويوم تُرفع الظلمة، وتُكسر قيود التبعية، وتتحرر الأرض من الاحتلال والفساد، وتعلو قيمة الإنسان، ساعتها فقط.. يمكننا أن نقول بثقة «عاد العيد، وعاد الوطن كما نحلم».
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا













