منذ عودة دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الأمريكي، لم نرَ في خطاباته أو تصريحاته أو حتى في تغريداته النارية – التي يعشقها أنصاره – أي ذكر لغزة، لا من قريب ولا من بعيد.
وكأن غزة ليست جزءاً من خارطة الشرق الأوسط الملتهبة، أو كأنها لا تستحق أن تُذكر حتى في سياق الدمار أو الحرب أو الإرهاب كما يحب أن يصنف كل من يرفض الهيمنة الأمريكية. فما السر؟ ولماذا هذه «اللامبالاة» المتعمدة؟
ترامب الذي لا يترك مناسبة إلا ويمتدح فيها إسرائيل، ويؤكد «حقها في الدفاع عن نفسها»، ويتحدث عن «التحالف المقدس» بين أمريكا وتل أبيب، يتجاهل غزة تماماً.
لا يرى في المجازر اليومية شيئاً يستحق التعليق، ولا في الكارثة الإنسانية الممتدة أي مادة للمتاجرة السياسية.. إنه صمت مريب، يحمل في طياته استخفافاً بالقضية، بل واحتقاراً ضمنياً لشعب أعزل يُذبح تحت أعين العالم.
منذ أن أطلق «صفقة القرن» في ولايته الأولى، كانت غزة خارج الحسابات السياسية، الصفقة لم تعترف بها ككيان مستقل، ولم تتحدث عن حقوق سكانها، بل اعتبرتها عبئاً يجب التخلص منه.
لقد سعى ترامب إلى تصفية القضية الفلسطينية لا حلّها، وتجاهل غزة كان جزءاً من هذه التصفية، فالرجل لا يريد سوى شرق أوسط «مستسلِم»، بلا مقاومة، بلا كرامة، بلا فلسطين.
ترامب يعلم تماماً أن تجاهله لغزة ليس حياداً، بل انحياز قاتل، إنه يرسل لإسرائيل رسالة مفادها: افعلوا ما شئتم، فأنتم فوق المحاسبة، وأنا معكم بلا قيد أو شرط.
وحين لا يذكر غزة، فهو في الحقيقة يبرر مسبقاً كل قنبلة تسقط وكل طفل يُقتل وكل مبنى يُسوّى بالأرض، هو يغض الطرف عمداً، لأنه لا يرى في الفلسطيني إنساناً له حق في الحياة.
إن إسقاط غزة من خطاب ترامب ليس سهوًا ولا صدفة، بل هو موقف سياسي مدروس، موقف يؤمن أن من لا يملك القوة لا يستحق حتى الذكر، لكنه بذلك يكشف عن وجه أمريكا الحقيقي، ويعري زيف الديمقراطية التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان.
غزة لا تحتاج إلى من يذكرها في خطاب، بل تحتاج إلى من يوقف نزيفها.. لكن حين يصمت الأقوياء، فالكلمات تصبح سلاحًا.. ومَن يسقط غزة من حساباته، سيسقط هو من ذاكرة التاريخ.














