في كل مرة يُفتح فيها ملف «بدل التكنولوجيا والمعلومات» للصحفيين، تتعامل الحكومة معه كأنه منّة لا حق، وهبة لا استحقاق. وها نحن أمام فصل جديد من فصول التلكؤ الرسمي، حيث تتعمد وزارة المالية الصمت، رغم تصريحات سابقة لوزيرها بأن الزيادة قادمة، وكأن الإعلان عن حق مكتسب يحتاج إلى مفاوضات أو استفتاء شعبي.
التأخير لم يعد بريئًا، بل بات يشي بمنهج غير مفهوم في التعامل مع الجماعة الصحفية: إثارة البلبلة، وتغذية الانقسام، والتعامل بمنطق الشخصنة والرسائل المبطّنة. وكأن الحكومة تختبر صبر الصحفيين، أو تنتظر منهم ردود فعل توزن بها قيمة القرار.
الدولة لا تُدار بهذه الطريقة. والصحفيون ليسوا خصمًا سياسيًا، ولا فئة تبحث عن امتيازات فوقية. هم شريحة من الشعب، يعملون في مهنة شاقة، تتطلب تضحية يومية، ويواجهون في المقابل تراجعًا مهنيًا، وهشاشة اقتصادية، وأوضاعًا معيشية صعبة. فهل يُكافأ هذا الواقع بالمزيد من الغموض والتجاهل؟
ومع ذلك، فإن ما يُقلق أكثر من موقف الحكومة، هو بعض ما يجري داخل الجماعة الصحفية نفسها. إذ تحوّل الحديث عن البدل إلى سوق مفتوح للمزايدات، والاتهامات، وتسجيل المواقف. هناك من يربط صرف البدل بالصمت، ومن يرى في المطالبة به تنازلًا عن شرف المهنة، ومن يعتبره ثمنًا للسكوت أو ثمرة للولاء.
هذا الخطاب مرفوض جملةً وتفصيلًا. لأن البدل، كما أُقر منذ عقود، ليس رشوة سياسية ولا رشوة مهنية، بل تعويض متواضع عن بيئة عمل بلا أدوات، ورواتب هزيلة، وضغوط متراكمة. هو حق لا يُنتقص، لكنه لا يُشترى به الموقف ولا يُباع به الضمير. الصحفي الذي يصمت من أجل البدل لا يستحق المهنة، لكن من يصمت عن الحق في حياة كريمة، لا ينتصر للكرامة.
نحن أصحاب رسالة، ولسنا طالبي صدقة. الصحافة ليست مهنة من لا مهنة له، بل ساحة للعقل والضمير والمسؤولية. وكل ما نطالب به هو احترام هذه الرسالة، وصيانة الحد الأدنى من المقومات التي تضمن أداءها بكرامة.
أما نقيب الصحفيين، الأستاذ خالد البلشي، الذي جاء إلى موقعه محمولًا على أكتافنا نحن الحالمين بحرية الصحافة، فعليه الآن أن يتّسع لصوتهم وهم يطالبون بحقوقهم المادية أيضًا. لا تناقض بين الدفاع عن المهنة والدفاع عن أهلها، ولا عيب في أن تطالب النقابة بزيادة عادلة ومحترمة في بدل الصحفيين، طالما أن ذلك يجري في إطار شفاف وواضح، ومن منطلق استحقاق، لا استرضاء.
من انتخبوك لم يفعلوا ذلك طمعًا في بدل، لكنهم لم يفوّضوك لتصمت عن الحقوق. لا نطلب منك أن تلوّح بالصدام، لكن نطالبك باتخاذ خطوات واقعية من أرض الميدان: خطاب رسمي للحكومة بموعد معلن للزيادة، سقف زمني واضح، وحشد نقابي متماسك خلف هذا المطلب. وإذا لم يُستجب، فلكل مقام تصعيد.
إن بدل الصحفيين ليس رفاهية، ولا وسيلة لإسكات الضمائر. هو جزء من كرامة مهنة، تُنتزع فيها الحقوق ولا تُمنح، وتُصان فيها الكلمة لا تُقايض.
فلتُعلن الحكومة موقفها الآن، وليقل الصحفيون كلمتهم، ولينتصر النقيب لكرامة من انتخبوه. أما البدل، فيجب أن يُعاد إلى موضعه الطبيعي: جزء من صيانة المهنة، لا وسيلة لدفنها.












