في لحظة فارقة من تاريخها، تتطلع مصر إلى عبور آمن نحو «الجمهورية الجديدة»، حيث التنمية المستدامة، والمشروعات القومية العملاقة، واستعادة الثقة في الدولة ومؤسساتها.
ورغم ما تحقق من إنجازات على الأرض، وما يُبذل من جهود جبارة على مستوى البنية التحتية وتحديث الإدارة، يبقى هناك «خطر خفي» يهدد هذه الآمال من الداخل، ويقوّض أسس البناء العادل والمتوازن، إنه وباء الوساطة والمحسوبية.
إن المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتهاوى حين يُغتال فيها مبدأ تكافؤ الفرص وتُقتل روح العدالة.
ليس الفقر وحده ولا الإرهاب هما ألد أعداء الدول، بل تآكل الثقة في النظام العام، والشعور بأن الحقوق لا تُمنح استحقاقًا بل تُشترى بالنفوذ، أو تُمنح بمكالمة هاتفية.
في مصر، بات من المألوف أن ترى صاحب المؤهل والخبرة جالسًا على الهامش، بينما يُفتح الطريق واسعًا أمام من «له ظهر».
الوظائف تُحجز مسبقًا، والمسابقات تُفصّل على مقاس أشخاص بعينهم، والمعاملات تُنجز بالتوصيات لا باللوائح.
بل بات بعض الشباب على قناعة أن النجاح في هذا البلد لا يحتاج إلى علم أو جهد، وإنما إلى وساطة أو علاقة نافذة!
إن الوساطة ليست مجرد شكوى فردية، بل هي سرطان اجتماعي يُدمّر الإحساس بالعدالة، ويزرع مرارة في النفوس، ويُخرج أفضل ما في الكفاءات خارج المشهد.
والمحسوبية، باعتبارها الوجه الآخر للعملة، تجعل المناصب والمكافآت حكرًا على من يُجيد فنون الولاء لا من يملك أدوات القيادة.
والنتيجة واضحة، فوضى إدارية، قرارات مرتعشة، أداء متراجع، ومؤسسات لا تُنتج لأنها لا تُدار بالكفاءة.
المشكلة الأعمق أن هذا الداء لم يعد سلوكًا شاذًا بل ثقافة راسخة.. من أصغر موظف إلى أعلى مسؤول، تجد من يقول: «دي بلد ما تمشيش إلا كده»، وهذا أخطر ما في الأمر، حين تُبرر الجريمة باسم الواقع، ويُشيطن القانون لأنه «يعطل المصالح».
ولا يخفى على أحد أن تطبيق القانون أصبح في كثير من الأحيان انتقائيًا، لا يُطال سوى الضعفاء ومحدودي النفوذ، بينما الكبار دومًا لديهم أبواب خلفية للنجاة.
وهنا يفقد المجتمع ثقته في العدالة، وتدخل الدولة في نفق مظلم من التذمر الصامت والغضب المكتوم.
إن الجمهورية الجديدة لا يمكن أن تُبنى على بنية إدارية فاسدة، ولا على ثقافة تؤمن بأن النجاح يُشترى.
نحن بحاجة إلى إصلاح جذري في منظومة التعيينات والرقابة والمساءلة، وإلى كسر هذه الحلقة الجهنمية التي تربط بين النفوذ والموقع، لا بين الجدارة والمسؤولية.
إن مصر التي نريدها ليست فقط جسورًا وأنفاقًا ومشروعات، بل دولة قانون يُطبّق على الجميع دون تمييز، ومجتمع يشعر فيه كل مواطن أن له فرصة عادلة في الحياة والنجاح.
نحن لا نحتاج شعارات براقة ولا وعودًا فضفاضة، بل إرادة سياسية حاسمة تقول بوضوح: لا أحد فوق القانون، ولا مكان للوساطة والمحسوبية في المستقبل الذي نحلم به.. الجمهورية الجديدة لن تُبنى بالكلمات، بل بالعدل.














