في جلسة برلمانية وُصفت بالتاريخية، وافق مجلس النواب بالأغلبية على تعديلات قانون الإيجارات القديمة، وسط تصفيق حاد من أصحاب العقارات، وقلق بالغ يسود ملايين الأسر المستأجرة.
وبعيدًا عن لغة التشريعات، فإن ما حدث اليوم يكشف عن انحياز فجّ من الدولة لصالح فئة بعينها – الملاك – على حساب العدالة الاجتماعية، ودون مراعاة للبُعد الإنساني لملايين المستأجرين الذين لا يملكون بديلًا، ويعيشون على هامش الحياة.
ما جرى لا يمكن قراءته إلا باعتباره حسمًا مشوهًا لأزمة عمرها عقود، حُسمت لصالح أصحاب رؤوس الأموال، في وقت كانت الدولة مطالبة فيه أن تحقّق توازنًا حقيقيًا لا أن تُرضي طرفًا وتُقصي الآخر.
المستأجرون ليسوا معتدين، بل هم ضحايا لظروف اجتماعية وقانونية دفعتهم لهذا الوضع، وهم أيضًا من دفعوا طيلة سنوات أضعاف ما كلّف البناء نفسه عند تأسيسه، بل كان بعضهم سببًا مباشرًا في بقاء العقارات قائمة عبر الصيانة الدورية وتحمل الأعباء.
تجاهلت الحكومة لسنوات طويلة هذا الملف، وحين قررت فتحه، جاءت برؤية أحادية، تتبنى خطاب الملاك فقط، وتستند إلى رواية واحدة.
لم تطرح الحكومة حلولًا مرحلية، ولا رؤية عادلة تحمي محدودي الدخل، بل سارعت إلى تمرير تعديلات تفتح الباب أمام الإخلاء والطرد، دون خطة سكن بديل، أو دعم اجتماعي، أو حتى تعويض معنوي.
القانون الجديد يضع ملايين الأسر في مواجهة مباشرة مع المجهول، كبار السن، الأرامل، المرضى، والعائلات التي عاشت لأربعة أو خمسة عقود في نفس السكن، باتت مهددة بالإخلاء بمجرد انتهاء المهلة، دون أن تسأل الدولة: أين يذهب هؤلاء؟
هل الهدف هو إرضاء المستثمرين العقاريين وفتح باب المضاربات؟ أم أننا نُعيد إنتاج سياسات التحرير الاقتصادي التي سحقت الطبقة المتوسطة ودفعت الفقراء إلى الهامش؟
في ظل هذا الخلل الفادح في موازين العدالة الاجتماعية، لا يبقى سوى أمل واحد: تدخل مباشر من الرئيس عبد الفتاح السيسي، لوضع ضمانات صارمة تحمي المستأجرين، وتُجبر الحكومة على مراعاة البُعد الإنساني والاقتصادي، لا فقط القانوني.
نريد قانونًا عادلًا، لا قانونًا انتقاميًا، نريد حلاً تدريجيًا متوازنًا، لا صدمة اجتماعية تُفجّر الشارع.
قضية الإيجارات القديمة ليست ملف ملاك ومستأجرين فقط، بل مرآة لوجه العدالة في مصر، إن تجاهلت الحكومة صوت البسطاء وألقت بهم في العراء، فإنها ترسم طريقًا نحو أزمة أخلاقية ومجتمعية تهدد النسيج الوطني.. لا أحد ضد حقوق الملاك، لكن لا يجوز أن تتحقق الحقوق بتهشيم حياة الآخرين.
من يملك القرار الآن؟ وهل يسمع الرئيس صوت الذين لا صوت لهم؟













