في تصريح وقح لا يخطئ دلالته ولا يُخفى هدفه، أعلن مسؤولين في حكومة الاحتلال الإسرائيلي وآخرهم وزير العدل، عزمهم ضم الضفة الغربية، في انتهاك فج لكل ما تبقّى من قوانين دولية وعدالة أممية.
هذا الإعلان ليس زلة لسان، بل هو جزء من مشروع إحلالي استيطاني صنع بعناية، ومرر بمباركة أمريكية وصمت دولي، وتواطؤ عربي مريع.
ما يحدث اليوم ليس مفاجئًا على الإطلاق، فمنذ حملته الانتخابية، وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحة بنيته تمكين إسرائيل من «السيادة الكاملة» على الضفة الغربية، وهو ما تُرجم لاحقًا في «صفقة القرن» المشؤومة التي أسّست سياسيًا وقانونيًا لهذا الضم، وفتحت الطريق أمامه علنًا.
واليوم، تتقدم حكومة الاحتلال على هذا المسار مستندة إلى دعم أمريكي بدأ مع ترامب وتجدد مع ولايته الثانية وما زال يتواصل، وإن بدا بوجوه أكثر نعومة في الإدارات التالية.
ما يثير القلق أكثر من التصريحات الفردية هو التوافق السياسي التام داخل الكيان الصهيوني، بين الوزراء والنواب وقادة الأحزاب، على ضرورة ضم الضفة الغربية وفرض «السيادة الإسرائيلية» عليها كأمر واقع.
هذا الإجماع الداخلي لم يعد مجرد رأياً متطرفاً في اليمين، بل تحول إلى سياسة دولة يتسابق الجميع لتطبيقها.. الأدهى من ذلك، أن حكومة الاحتلال حصلت مؤخراً على ضوء أخضر واضح من الإدارة الأمريكية، ما يعني أن واشنطن ليست فقط شريكاً في الجريمة، بل شريك في توقيتها أيضاً.
هناك ضغط من داخل الكنيست لتطبيق هذا الضم قبل نهاية العطلة الصيفية، لضمان تمريره دون تعطيل، وقبل أي متغيرات إقليمية أو دولية قد تعرقل التنفيذ.
لم تعد المسألة قضية فلسطينية بحتة، بل تحولت إلى جريمة متكاملة الأركان ضد الإنسانية، ضد الجغرافيا، ضد التاريخ.. إسرائيل لا تتصرف كدولة، بل كعصابة منظمة تُمارس قرصنتها السياسية على الهواء مباشرة، وتبني على أنقاض القرارات الأممية إمبراطورية من الاحتلال.
أما الموقف العربي الرسمي، فهو في أحسن أحواله لا يتجاوز عبارات الشجب والتنديد والاستنكار.. كلمات جوفاء لم تعد تُخيف حتى أصغر مستوطن يحمل سلاحه ويتجوّل في أزقة نابلس والخليل.
لقد آن الأوان لفهم الحقيقة المرة، ما تفعله إسرائيل اليوم في الضفة الغربية سيتكرر غداً في الجنوب اللبناني، وفي الجولان، وفي أي رقعة عربية تُصاب بالضعف والتفكك.. هذا السيناريو ليس طارئاً، بل هو مكتوب بدقّة، وينفذ على مراحل، وبشراكة دولية كاملة.
إذا لم ننهض الآن لوقف الكارثة، فلن يبقى مكان للغضب غداً، ولن تنفعنا المزايدات على الشاشات ولا البيانات المعلّبة.. الصراع مع إسرائيل لا يحتمل الحياد، ولا يفهم إلا لغة الردع.. أردعوهم يرحمكم الله.














