عاشت القومية العربية يومًا ما في قلب الأحلام وطموحات الشعوب، كانت رمزًا للانتماء والهدف المشترك، وشعلة أمل لتحقيق التحرر والوحدة.
إنها الفكرة التي تمسكت بها الأجيال كوسيلة للنهوض والتحرر، مُحاطة بشعارات مهيبة مثل «أمة عربية واحدة».
لكن الواقع الحالي يحاصر هذه الفكرة بين جدران التراجع والانقسام، فهل انتهى زمن القومية العربية بالفعل؟
في منتصف القرن العشرين، كان الحلم العربي مبنيًا على مشاريع طموحة لإزالة الحدود والحواجز بين الدول، زعامات قوية كبريق جمال عبد الناصر كانت تمثل الأمل للشعوب العربية، وكان شعار الوحدة ينبض في القلوب، مترجمًا إلى محاولات فعلية للتقارب بين دول مثل مصر وسوريا.
ولكن سرعان ما تهشّم ذلك الحلم أمام عواصف الواقع السياسي المُر، وتحولت الأنظمة التي كان يُتوقع أن تكون حاملة راية القومية إلى أدوات قمع، متجردة من المبادئ التي بشرت بها.
بريق القومية بدأ يخفت مع فشل تكرار مشاريع الاتحاد العربي، مما خلق حالة شك لدى الشعوب حول إمكانية تحقيق هذا المشروع.
مع انطلاق شرارة ثورات الربيع العربي في 2011، أُعيد إحياء الحلم ولو للحظة وجيزة؛ فقد ظن الكثير أن الغضب الشعبي سيعيد تشكيل المشهد ويقود إلى تقارب جديد بين الشعوب العربية المنهكة بالظلم والاستبداد.
لكن الواقع كان قاسيًا وبعيدًا عن الأحلام، وبدلًا من تحقيق الوحدة، غرق العالم العربي أكثر في مستنقع الانقسامات؛ حروب أهلية طحنت الأوطان، وتفككت الشعوب على أسس طائفية وعرقية قاتمة.
حتى الدول ذات التاريخ الطموحي نحو القومية انشغلت بمصالحها الذاتية، وتحالفت أحيانًا مع القوى الأجنبية لتعزز الانقسام بدلاً من الوحدة.
مع تراجع القومية برزت هويات جديدة تنافس الشعور بالانتماء العربي، حيث تمكنت الطائفية والعِرق من إعادة تشكيل الهوية في كثير من المناطق.
بعض الأفراد لا يرون هويتهم في العروبة بل في كونهم سُنة أو شيعة، أمازيغ أو كرد، كذلك الروح الوطنية المبالغة تعزز مفهوم «مصري أولًا» أو «سعودي أولًا» وغيرها، مسلطة الضوء على الحدود بدلاً من إزالة الحواجز.
حتى الفردانية الحديثة أثرت على مفهوم التضامن الجماعي بين العرب؛ حيث أصبح التركيز على الفرد وقضاياه أكثر أهمية لدى شرائح واسعة من الشباب، مما دفع بفكرة «نحن العرب» إلى هامش الوعي الجمعي.
ورغم كل هذا التشتت والتراجع، فإن جذور القومية العربية لم تختفِ تمامًا، هناك لحظات يظهر فيها الحنين للوحدة: حين تُنتهك فلسطين، حين يُعتدى على شعب عربي دون رحمة، حين نقف أمام حدث يُذكّر الجميع بما يجمعنا رغم اختلافنا.
هذه اللحظات القصيرة تكشف عن شعور دفين بأننا نرتبط ببعضنا بطريقة لا يمكن إنكارها، تتجلى في تضامن الشعوب عبر منصات السوشيال ميديا وحتى في البُعد الثقافي والفني الذي يلعب دورًا لا يُستهان به في توحيد الوجدان.
لم يعد الوقت مُلائمًا لإحياء التصورات الحالمة للوحدة الكاملة التي تتجاوز الحدود والمصالح الوطنية المباشرة، لكن ربما يمكن للقومية أن تتخذ شكلاً أكثر واقعية وسط كل هذه التعقيدات:
تعزيز شراكات اقتصادية تجمع الدول بشكلٍ عملي وغير عاطفي.
التعاون الجاد لحل الأزمات الكبرى مثل الغذاء والماء والطاقة.
إنشاء إعلام عربي مُتحد يعبر عن روح الشعوب ويحترم تنوعها دون انتقاص من إنسانيتها المشتركة.
الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا لتبادل الخبرات والكفاءات بين الدول العربية بهدف نهضة مشتركة بدلاً من المنافسة المُدمرة.
ولعل هذا هو وقت العمل لا الحنين، ووقت البناء لا البكاء على الأطلال.













