كنت أنوي هذا الأسبوع أن أكتب مقالي المعتاد «استراحة الجمعة»، مقالا خفيفًا تزينه مسحة روحانية وإطلالة إسلامية على واقعنا اليومي، عن سكينة الذكر ولطافة المعاني التي تمنح القلب راحة بعد أسبوع طويل.
لكن جاء الإعلان عن صفقة الغاز الجديدة بين مصر والكيان الصهيوني ليقلب المزاج، ويشعل الغضب، ويحوّل مسار الحديث من التأملات إلى المواقف الحاسمة.
إنه أشبه بمن كان يستعد للوضوء والصلاة، فإذا بصوت قصفٍ يهز النوافذ ويجبره على ترك السجادة والركض إلى خطوط المواجهة، القضايا الكبرى لا تنتظر، والضمير الحي لا يعرف الإجازة، وحين يتعلق الأمر بفلسطين، تسقط كل عناوين الراحة أمام واجب الموقف.
فقد كشفت وكالات الأنباء العالمية، وفي مقدمتها رويترز وفايننشال تايمز، عن توقيع اتفاق لتوريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر، على مدى يمتد حتى 2040، بقيمة 35 مليار دولار.
الاتفاق ينقسم إلى مرحلتين:
20 مليار متر مكعب اعتبارًا من 2026، بعد إنشاء خطوط ربط إضافية.
110 مليارات متر مكعب بعد تطوير حقل «ليفاثيان» وبناء خط أنابيب جديد عبر «نيتسانا».
يُذكر أن مصر بدأت استيراد الغاز من هذا الحقل منذ 2020 في صفقة سابقة قيمتها نحو 60 مليار متر مكعب، تم توريد 23.5 مليار متر مكعب منها حتى الآن، ووفق البيانات، فإن الصفقة الجديدة قد ترفع الواردات إلى 12 مليار متر مكعب سنويًا بحلول 2029، مقارنة بحوالي 4.5 مليار حاليًا.
لماذا الغضب؟
الأمر لا يتعلق فقط بصفقة اقتصادية، بل بصفعة على وجه الضمير الوطني والقومي، لعدة أسباب واضحة:
1- العدو التاريخي: الكيان الصهيوني ليس شريكًا تجاريًا عاديًا، بل هو عدو تاريخي لمصر والأمة العربية، وجرائمه بحقنا وبحق أشقائنا لا تُحصى.
2- الإبادة في غزة: بينما تُبرم الصفقة، يواصل الاحتلال ارتكاب مجازر وحصار وتجويع بحق أهلنا في غزة، في مشهد لا يقبله دين ولا إنسانية.
3- التبعية الاقتصادية: تراجع إنتاج مصر من الغاز من نحو 71 مليار متر مكعب عام 2021 إلى 45 مليارًا في 2024 دفعها للاستيراد، لكن الاعتماد على مصدر خارجي غير آمن سياسيًا يجعل أمن الطاقة رهينة لمزاج الاحتلال.
4- هشاشة الإمدادات: في يونيو الماضي، توقفت صادرات الغاز الإسرائيلية لمصر مؤقتًا بسبب التصعيد العسكري، ما كشف ضعف هذا المسار.
موقف لا يحتمل المواربة
نحن، كمصريين، وكأمة عربية، نرفض أن يتحول العدو إلى شريك، ونرفض أن يُطبع الاحتلال تحت غطاء الصفقات، إن القضية ليست أرقامًا وعقودًا، بل مبدأ وكرامة، ورفض مطلق للتطبيع الاقتصادي مع من يحتل الأرض ويمارس الإبادة.
لقد سقطت «استراحة الجمعة» هذا الأسبوع أمام صرخة الرفض، لأن القضايا الكبرى تفرض حضورها، ولأن الضمير لا يعرف الإجازة.
لا للغاز… لا للتطبيع… نعم للكرامة الوطنية.














