وكأنّ بنيامين نتنياهو يعيش في عالم صنعه بخياله، حين خرج في تصريحاته الأخيرة يتحدث عن «إسرائيل الكبرى» بثقة المتوهم الذي يظن أنّ الشمس في يمينه والقمر في يساره، وأنّ الدنيا قد دانت له بالولاء والطاعة.
وبكل صلف وغرور، صدّرت وسائل الإعلام الإسرائيلية هذا الحلم المزعوم، لتسوقه على أنه قدر محتوم، بينما هو في حقيقته كابوس قديم يعاد تسويقه كلما احتاج الاحتلال جرعة من التحريض والتعبئة.
فكرة «إسرائيل الكبرى» ليست وليدة اليوم، بل هي جزء من الأساطير السياسية والدينية التي روجتها الحركة الصهيونية منذ تأسيسها، متكئة على تأويلات انتقائية من النصوص الدينية اليهودية، تزعم أن حدود «أرض الميعاد» تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات.
هذا النص لم يكن يومًا خريطة جغرافية حقيقية بقدر ما كان رمزًا دينيًا روحيًا في العهد القديم، لكن الصهيونية حوّلته إلى مشروع توسعي استعماري، يستبيح الأرض والإنسان باسم «الحق التاريخي».
تاريخيًا، لم تتحقق هذه الأسطورة في أي عهد من عهود بني إسرائيل، بل كانت مجرد دعاية لشد العصبية الدينية وتبرير الاحتلال.
حتى كبار المؤرخين اليهود المعاصرين يعترفون بأن «إسرائيل الكبرى» لم تكن كيانًا سياسيًا قائمًا، بل أداة لتعبئة الجموع.
إعلان نتنياهو عن هذا الحلم الآن ليس صدفة، فهو يواجه مأزقًا سياسيًا داخليًا خانقًا، وتحديات ميدانية في غزة تستنزف جيشه وتكشف ضعف منظومته الأمنية.
في ظل هذا الإخفاق، يلجأ إلى خطاب قومي متطرف لإعادة شحن مؤيديه، وصرف الأنظار عن الفشل الميداني والضغوط الدولية.
كما أن الخطاب يأتي متزامنًا مع محاولة فرض وقائع جديدة على الأرض، من خلال الاستيطان المكثف في الضفة الغربية، والتصعيد الوحشي في غزة، وكأنه يقول للعالم: «هذا هو مشروعنا الحقيقي، فإما أن تقبلوا به أو تواجهوا قوتنا».
ما يحدث في غزة ليس حربًا عسكرية فقط، بل جزء من استراتيجية أوسع لتهجير الفلسطينيين وإفراغ القطاع من سكانه، تمهيدًا لتغيير جغرافي وديمغرافي يخدم مشروع «إسرائيل الكبرى».
تصريحات نتنياهو ليست مجرد أحلام، بل إنذار صريح بأن الحرب على غزة هي خطوة على طريق أكبر، وأن المشروع التوسعي لا يقتصر على فلسطين التاريخية وحدها.
التصريحات فجرت موجة غضب عارمة في العالمين العربي والإسلامي، إذ اعتُبرت إهانة مباشرة لسيادة الدول وحدودها، وتأكيدًا على أن الاحتلال لا يتوقف عند حدود فلسطين.
لكنّ الغضب وحده لا يكفي، فالتاريخ علّمنا أن الصهيونية لا تتراجع أمام البيانات والشجب، بل أمام قوة سياسية وشعبية وعسكرية تواجه مشروعها على الأرض.
التاريخ لا يرحم الأوهام، من فرعون الذي قال «أنا ربكم الأعلى» إلى نابليون الذي حلم بالسيطرة على المشرق، مرورًا بكل الغزاة من التتار إلى الاستعمار البريطاني والفرنسي، كانت النتيجة واحدة: تسقط الإمبراطوريات ويبقى الشرق العربي عصيًّا على الابتلاع.
نتنياهو اليوم يعيد نفس المشهد المكرر، متخيلًا أن أوهامه قادرة على محو التاريخ والجغرافيا معًا، لكنه ينسى أن هذه الأرض لفظت كل من حاول ابتلاعها، وأن الشعوب التي أسقطت الصليبيين والمغول، لن تسمح لوهم «إسرائيل الكبرى» أن يتحول إلى واقع.
سيظل حلمه مجرد فقاعات إعلامية تنفجر عند أول مواجهة حقيقية، لأن الشمس لا تُحمل في يمين أحد، ولا القمر يُحاصر في يسار أحد، ولأن هذه الأرض تعرف كيف تكتب نهاية كل محتل.














