تعيش الساحة الدولية تحولات متسارعة، حيث أصبحت التناقضات في القرارات والسياسات واضحة أمام الشعوب التي لم تعد بحاجة إلى انتظار النشرات الإخبارية لتقييم سلوك القوى العظمى.
بين مشهد الأزمات في غزة وأوكرانيا، يظهر مفهوم ازدواجية المعايير بقوة، مهددًا بنسف مصداقية النظام الدولي ومبادئه الأخلاقية التي يدّعي الالتزام بها.
عندما اختارت روسيا التدخل العسكري في أوكرانيا، شهدنا استنفارًا غربيًا غير مسبوق: مليارات تُرسل كمساعدات عسكرية، عقوبات قاسية طالت الاقتصاد الروسي والفرد العادي، واحتضان إنساني للاجئين الأوكرانيين الذين تركوا وطنهم.
على الجانب الآخر، بينما تغرق غزة تحت وطأة القصف والحصار طويل الأمد، يبدو العالم وكأنه يكتفي بإصدار بيانات مُبهمة تدعو إلى «ضبط النفس»، في حين تستمر القوى الكبرى في دعم الاحتلال ماليًا وعسكريًا، ما يزيد من تعميق المأساة الإنسانية.
الإعلام العالمي يكشف بجلاء حجم الانحياز بين القضيتين، الأوكرانيون غالبًا ما يُقدمون باعتبارهم نموذجًا للضحايا الشجعان أمام عدوان خارجي، في حين يُختزل الفلسطينيون في خطاب الإعلام الغربي إلى صور نمطية تَصفهم بأنهم مثيرو شغب أو حتى إرهابيون.
هذه المعالجة الإعلامية تُظهر كيف يمكن للتقنيات المرئية والصوتية أن تصبح أداةً فاعلة في ترسيخ رواية واحدة، على حساب تغييب روايات البشر المنكوبين تحت الاحتلال المستمر منذ عقود.
القانون الدولي الذي تصاعدت الدعوات لاستخدامه ضد موسكو، بدت فاعليته شبه معدومة عندما يتعلق الأمر بغزة.
الانتهاكات اليومية التي تشمل استهداف المدنيين، قصف المنشآت الصحية، ومحاصرة ملايين السكان لم تلق ذات الزخم القانوني والإجرائي الذي حظيت به قضية أوكرانيا.
حتى المؤسسات القضائية الدولية مثل محكمة الجنايات الدولية أظهرت تأخرًا وترددًا ملحوظًا أمام ملفات انتهاكات الاحتلال في فلسطين، مما يكشف مدى تأثّر العدالة بضغوط السياسة وتوجهات القوى المهيمنة.
ازدواجية المعايير تتجاوز كونها خللًا سياسيًا؛ بل أصبحت أزمة قيم تهدد شرعية القانون الدولي ذاته.
عندما يلاحظ العالم أن العدالة يتم توجيهها وفق المصالح والتحالفات لا المبادئ، فإن النتيجة الطبيعية هي اهتزاز الثقة بالنظام العالمي بأكمله.
هذا التآكل الأخلاقي ليس مجرد خطر على الفلسطينيين أو الأوكرانيين فحسب، بل يشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار العالمي ويعزز احتمالية فوضى مرتكزة على منطق الانتقام بدلًا من الحوار.
من غزة إلى أوكرانيا، تظل التساؤلات قائمة: هل يمكن لنظام دولي يرتكز على مبدأ الانتقائية أن يرسخ العدالة ويصنع سلامًا مستدامًا؟ أم أننا نشهد تفكك منظومةٍ فقدت تدريجيًا أحقيتها في قيادة عالمٍ يتوخّى الحياد والمساواة؟ الإجابة ربما ستُكتب على صفحات التاريخ القريب وسط خضم الصراعات المتصاعدة والعدالة المعلقة.













