يعاني المسلمون اليوم من ندرة شديدة في الرجال.
لقد عوّدنا القرآن الكريم أنه في الشدائد يظهر الرجال، وفي الأزمات يتميز الرجال، وعند المواقف الحاسمة لا يقف إلا الرجال.
قال تعالى: «مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ».
وقال أيضًا: «رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ».
فالرجولة في ميزان القرآن ليست صفة جسدية ولا مظهرًا خارجيًا، بل هي صدق عهد، وثبات موقف، وإيمان راسخ.
لكننا اليوم في مواقف نحتاج فيها إلى الرجال… فنبحث فلا نجدهم، ونترقب فلا يظهرون إلا نادرًا، وهذا يذكرنا بما جاء عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ جلس في دار من دور المدينة مع أصحابه فقال: تمنّوا.
فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله.
وقال آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أتصدق به.
فقالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين.
فقال عمر: «ولكني أتمنى رجالًا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، أستعين بهم على إعلاء كلمة الله».
فالدين لا يقوم بالذهب ولا بالجوهر، وإنما بالرجال… بالصدق والإخلاص والجرأة في الحق.
وهؤلاء الرجال الذين نبحث عنهم اليوم ليسوا في مجالسنا ولا في طرقاتنا، ولا حتى نوادينا، بل هم في ساحات الشرف والعزة والكرامة.
في غزة العزة، حيث يواجه الأبطال عدوًا شرسًا لا يعرف أخلاقًا ولا إنسانية، مجردًا من كل معاني الرحمة والرجولة.
إنهم ثُلّة من الرجال اصطفاهم الله ليؤكدوا للعالم أن الإسلام لا يزال فيه رجال… رجال من طراز مختلف.. صنعهم العقيدة.. لا الأفلام والمسلسلات والسينما والدعاية المضللة والنظريات الحديثة، فهؤلاء الرجال الحق وليسوا بائعي هوى، بل أصحاب عقيدة وبذل وفداء.
واجهوا أحدث تكنولوجيا القتل والإبادة بصدور عارية، ووقفوا ثابتين لا يخافون الجهاد في سبيل الله وتحرير أوطانهم، يحرصون على الموت كما يحرص عدوهم على الحياة.
وقد جاء في ذات المجلس لعمر بن الخطاب أن الرجولة هي الغاية والمنى، وكذلك ما روي أن غلامًا عربيًا دخل على أحد خلفاء بني أمية يتحدث باسم قومه، فقال له الخليفة: ليتقدم من هو أسنّ منك. فقال الغلام في ثبات: «يا أمير المؤمنين، لو كان التقدّم بالسن، لكان في الأمة من هو أولى منك بالخلافة!».
هكذا هي الرجولة… ليست مقصورة على الرجال، بل هي قوة نفسية تجعل صاحبها كبيرًا في صغره، غنيًا في فقره، قويًا في ضعفه.
رجولة ترفع صاحبها إلى معالي الأمور وتبعده عن سفاسفها.
ولم تقتصر على الرجال، فقد شهد التاريخ نساءً كنّ بألف رجل؛ بعزمهن وصبرهن ورباطة جأشهن، يصنعن الأجيال، ويغرسن فيهم معاني القوة والصدق والإيمان.
إنه حقًا… دين عظيم، لو كان له رجال.
دعاء الجمعة
اللهم إنا نسألك أن ترزق أمتنا رجال صدق وإخلاص، يحملون همّ الدين، ويثبتون عند الشدائد، ويقولون الحق ولا يخشون فيك لومة لائم.
اللهم كن مع إخواننا المستضعفين في غزة وسائر بلاد المسلمين، اللهم اربط على قلوبهم، وثبّت أقدامهم، وانصرهم على القوم الظالمين.
اللهم أخرج لهذه الأمة من أصلابها رجالًا ونساءً يحملون راية الحق، ويعيدون لها مجدها وعزتها، واجعلنا جميعًا من جندك المخلصين.
آمين يا رب العالمين.














