لطالما أكدتُ أن المسارات تؤدي إلى نتائج مشابهة إذا تكررت نفس الظروف، والتاريخ يعكس هذا الواقع بشكل واضح، علينا أن نستفيد من دروس التاريخ ونتجنب الدخول في مقدمات قد تقود إلى نتائج سبق وعانينا منها.
على سبيل المثال، يمكننا استحضار موقف إنجلترا في عام 1928، حين تحفظت على انضمام مصر لميثاق السلام الذي اقترحته الولايات المتحدة ووقعت عليه خمس عشرة دولة آنذاك.
هذا الميثاق كان يدعو لنبذ الحروب وحل النزاعات بطرق سلمية. لكن إنجلترا أبدت تحفظها بسبب رؤيتها لمصر كمنطقة ذات أهمية استراتيجية خاصة، وخاصة قناة السويس التي اعتبرتها شرياناً حيوياً لمصالحها، ما جعل الاعتداء عليها بمثابة إعلان حرب على الإمبراطورية البريطانية.
رغم التوقيع على هذا الميثاق، لم تُجنَّب العالم ويلات الحرب، إذ اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939 وتسببّت في معاناة كبرى، التاريخ أثبت أن القوة، وليست الاتفاقيات، كانت الفيصل في الحفاظ على المصالح.
بناءً على ذلك، نرى كيف دعمت إنجلترا تعطيل الدستور المصري في تلك الحقبة، ودعوة لتشكيل حكومة أقلية تتبنى سياسة القمع من خلال فرض السيطرة بالقوة، منع التظاهرات، وحبس المعارضين، وقمع الإعلام الحر.
أما تلك الحكومة فقد حاولت امتصاص غضب الشعب وتوجيه انتباهه نحو الإصلاحات الداخلية، مثل إنشاء الترع وبناء المستشفيات، لكن هذه الإجراءات لم تكن كافية لإرضاء الشعب الذي رفض هذا النهج وأسقط حكومة محمد محمود.
يرى المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي في كتابه «في أعقاب الثورة المصرية» أن الحرمان من الحق في الحكم الدستوري لا يمكن أن يُعوَّض بأي إصلاحات.
وخلاصة ما أثبته التاريخ هو أن بناء مجتمع يقوم على الديمقراطية والحرية هو السبيل الأسمى لتحقيق استقرار طويل الأمد، وهو أكثر قوة وتأثيراً من أي تدخلات مادية أو سياسات قمعية.














