كلما أطلّت ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم، عاد السؤال القديم المتجدد هل يجوز لنا أن نحتفل بهذه المناسبة أم أن ذلك بدعة لا أصل لها؟ وكيف يكون الاحتفال المشروع بنبي أرسله الله رحمة للعالمين؟ بل، والأهم: كيف نفرح ونحن نرى إخواننا في غزة وغيرها يُذبحون كل يوم أمام أعيننا؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا ولا جدلًا عابرًا، بل هي تعبير عن ضمير حيّ يبحث عن معنى أصيل للاحتفال بمولد من أرسله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.
أولًا: هل الاحتفال بدعة أم مظهر حب؟
منذ القرون الأولى، اختلف العلماء حول قضية الاحتفال بالمولد، بعضهم اعتبره بدعة لم يفعلها الصحابة ولا التابعون، وآخرون أجازوه باعتباره وسيلة لإظهار الفرح بالنبي صلى الله عليه وسلم.
والحقيقة أن أصل الفرح بميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم لا غبار عليه، فهو فرح ببعثة النور والهدى، بقدوم الرحمة المهداة، كما قال الله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.
لقد أجاز كبار العلماء هذا الاحتفال إذا خلا من المحرمات، ومنهم الإمام محمد متولي الشعراوي – رحمه الله – الذي أكد أن إدخال السرور على الأهل والأبناء، وتوزيع الحلوى والطعام، ولبس الجديد، لا حرج فيه، بل يدخل في معنى قوله تعالى: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾.
لكن السؤال الجوهري: هل حب النبي مجرد كلمات وأناشيد؟ هل هو مجرد تعليق زينات وتوزيع حلويات؟ لقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين» (رواه البخاري ومسلم)، هذا الحب ليس عاطفة سطحية، بل التزام عملي ووفاء صادق لرسالته.
ثانيًا: كيف نحتفل حقًّا بمولد الرسول؟
إذا اقتصر احتفالنا على شراء الحلوى والزينات، فقد اختزلنا المولد في طقس سطحي لا يعبّر عن معناه، أما الاحتفال الحقيقي فيبدأ من داخل القلوب، حين نجدد العهد مع الله ورسوله على التمسك بالهدى النبوي، وامتثال أوامره، وترك نواهيه.
1- التخلق بأخلاقه
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قرآنًا يمشي على الأرض، كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها، فهل نحن صادقون كما كان؟ هل نحن رحماء بالفقراء والضعفاء؟ هل نحن أمناء في أعمالنا وتجارتنا؟ هل نحن متسامحون مع من يسيء إلينا؟
إن الأمة التي تدّعي حب النبي لا يجوز أن تنتشر فيها الرشوة والغش والأنانية والقسوة. فإذا أردنا أن نحتفل به، فلنبدأ بإصلاح أنفسنا ومجتمعاتنا.
2- تعليم سيرته للأبناء
من واجبنا أن نغرس في قلوب أبنائنا حب النبي عبر قصصه ومواقفه، كيف كان يرحم الطفل ويمازحه، كيف يقف للجنازة احترامًا ولو كانت لغير مسلم، كيف كان يخيط ثوبه ويخصف نعله بيده، وكيف كان يحمي الضعيف وينصر المظلوم.
الحلوى تُذيب في الفم وتزول، أما السيرة فتذيب في القلب وتبقى أثرًا خالدًا، تشكل ضميرًا حيًا وشخصية متوازنة.
3- ترجمة الحب إلى سلوك حي
أن نحتفل يعني أن نُحسن لجيراننا، أن نصل أرحامنا، أن نساعد الفقراء، أن نحسن معاملة زوجاتنا وأبنائنا. فقد قال صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، إن الأمة بحاجة إلى أن ترى المولد مشروع حياة، لا مهرجانًا ليليًا.
ثالثًا: المولد النبوي.. مناسبة متجددة لنهضة الأمة
أمتنا اليوم تواجه أزمات كبرى: استبداد سياسي، فقر اقتصادي، تخلف علمي، صراعات داخلية، وتشويه عالمي لصورة الإسلام، وهنا يصبح المولد النبوي فرصة ذهبية لمراجعة النفس وبناء مشروع نهضوي.
1- تجديد الخطاب الديني
لقد شوهت جماعات الغلو صورة الإسلام بالدماء والتكفير، كما شوهه دعاة التسيب بالتفريط والعلمنة، والسبيل الوسط هو خط رسول الله: دين رحمة وعدل ووسطية، المولد النبوي فرصة لنؤكد للعالم أن الإسلام دين الحياة، لا دين الموت؛ دين التعمير، لا دين التدمير.
2- استعادة النموذج المدني
النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قائدًا روحانيًا فقط، بل أسس دولة المدينة على قواعد المواطنة والعدالة والرحمة. لقد آخى بين المهاجرين والأنصار، وكتب دستورًا يضمن حقوق اليهود والنصارى والمسلمين، فأسس مجتمعًا متعايشًا.
أليس من واجبنا أن نستعيد هذا النموذج في دولنا المعاصرة، بدل الاحتراب الطائفي والانقسام الداخلي؟
3- بناء إنسان النهضة
المولد النبوي ليس مجرد مناسبة تاريخية، بل دعوة لتخريج «الإنسان القرآني» الذي يجمع بين الإيمان والعلم، بين العبادة والعمل، إن الأمة لن تنهض إلا بالعلم، ولن يُصلحها إلا أن تُترجم محبة النبي إلى تفوق في الجامعات، وإتقان في المصانع، وإبداع في ميادين الحياة.
رابعًا: كيف نحتفل وإخواننا يُذبحون؟
يبقى السؤال الأكثر إيلامًا كيف نفرح بينما غزة تُقصف ليل نهار؟ كيف نُزيّن الشوارع ونوزع الحلوى بينما الأطفال هناك يحترقون تحت الركام؟ بأي وجه سنقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اكتفينا بالإنشاد والموالد؟
أهذه سنته؟ أهذه وصيته التي تركنا عليها كالمحجة البيضاء؟ لقد أوصانا أن نكون جسدًا واحدًا: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (رواه مسلم). فأي جسد هذا ونحن لا نشعر بألم إخواننا إلا على الشاشات؟
إن غزة اليوم تختبر صدق حبنا للنبي، هل سنقف مع المظلوم كما وقف هو، حين قال: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، وشرح أنه يُنصر ظالمًا بردعه عن ظلمه، ومظلومًا بالدفاع عنه؟
الاحتفال الحقيقي أن ندعم المقاومة المشروعة، أن نقاطع من يساند العدو، أن نتبرع بما نستطيع، أن نرفع أصواتنا في الإعلام والجامعات والمساجد.
الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم ليس بدعة ولا طقسًا أجوف، بل هو تجديد للعهد مع رسالته، فإن اقتصر على الحلوى والزينات فقد أضعنا المعنى، وإن تجاوز ذلك إلى التربية على الأخلاق، والعمل للنهضة، ونصرة المظلوم، فقد أدركنا المقصد.
مولد النبي ليس ليلة في العام، بل مشروع حياة، هو دعوة لأن نحب رسول الله أكثر من أنفسنا وأموالنا وأولادنا، وأن نترجم هذا الحب في سلوكنا وأفعالنا، حتى نكون بحقّ ممن يصدق فيهم قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا﴾.
عندها فقط يصبح المولد النبوي مولدًا متجددًا للأمة كلها، يولّد فيها العزة والكرامة والنهضة، ويعيدها إلى موقعها بين الأمم، شاهدة على الناس بالعدل والرحمة.














