مع حلول ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم، تُضاء الشوارع بالزينات، وتُملأ الأسواق بالحلوى، وتُقام الاحتفالات هنا وهناك، لكن سؤالًا مُلحًّا يطرق القلوب قبل العقول: كيف لنا أن نحتفل ونفرح، وإخواننا في غزة يُقتلون كل يوم أمام أعيننا؟ كيف نبتسم، والنساء والأطفال والشيوخ يُحرقون تحت القصف ليلًا ونهارًا؟
بأي وجه سنقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اكتفينا بالزينة والأهازيج بينما دماء الأبرياء تسيل بلا توقف؟ أهذه وصيته لنا؟ أهذه سنته التي تركنا عليها كالمحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؟
كيف يغمض لنا جفن، أو تستسيغ أفواهنا حلاوة المولد، وإخواننا يُبادون في محرقة لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلًا؟ بل إننا لا نجد في بطون الكتب سوى صور مشابهة؛ في «أصحاب الأخدود»، أو عند اجتياح التتار وهولاكو، أما اليوم فالمشهد حيّ يُبث أمام العالم كله، والعالم صامت، بل متواطئ!
الحقيقة أنني كلما تذكرت غزة وما يجري فيها، أصابني ذهول، وخوف، وخجل من رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أرجو شفاعته وأنا لم أتبع أثره في هذا الموقف؟ كيف أحتفل بمولده وأطلب أن يجمعني الله به في الجنة، بينما أتخلى عن وصيته بنصرة المظلوم؟
لقد أوصانا الحبيب المصطفى أن نكون جسدًا واحدًا: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، فأي جسد هذا ونحن لا نشعر بآلام إخوتنا إلا على الشاشات؟
إن الاحتفال الحقيقي بمولد النبي اليوم هو أن نكون على قدر رسالته: أن نناصر المظلوم، أن نرفع الصوت بالحق، أن نقاطع من يمدّ العدو بالوقود والمال، وأن نُربّي أبناءنا على أن حب الرسول ليس أغنية نرددها، بل دمعة صادقة وعمل صالح ونصرة عملية.
المولد النبوي فرصة لنقول لأنفسنا: لا نفاق بعد اليوم، ولا صمت بعد اليوم، إن لم يكن المولد باعثًا على نهضة الأمة، وصرخة في وجه الظالمين، فلن يكون إلا طقسًا أجوف لا يليق بذكرى من قال له ربه: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.













