في ذكرى ميلاد نبي الإنسانية، محمد ﷺ، يتجدد السؤال المؤلم: كيف لأمة بناها قائد عظيم على أسس القوة والعزة والكرامة، ثم صانها خلفاؤه الراشدون بالعدل والوحدة، أن تتحول اليوم إلى فسيفساء من الدويلات المتناحرة، كل منها مشغول بنفسه، وقد تفرقت كلمتها وتبعثرت رايتها؟
لقد جاء الرسول ﷺ برسالة أخرجت العرب من صحراء الجهل إلى نور الحضارة، ومن عبادة الأصنام إلى توحيد رب العالمين.
وفي عهد الخلفاء، ارتفعت راية الإسلام شرقًا وغربًا، وصارت كلمة المسلمين مهابة في قلوب الأمم، وسادت قيم العدل حتى شهد بها الأعداء قبل الأصدقاء، كان المسلم إذا ذكر اسمه ارتعدت له عروش الطغاة، وكانت بغداد ودمشق وقرطبة والقاهرة منارات للعلم والفكر، لا مجرد عواصم للحكم.
أما اليوم، فإن المشهد يدمي القلوب، دولٌ ممزقة بالحروب الأهلية، شعوب مشرّدة بين خيام اللجوء، وأنظمة غارقة في التبعية للخارج.
صارت فلسطين جرحاً مفتوحاً لا يندمل، وسوريا مقسّمة بين قوى تتقاسم النفوذ، واليمن غارق في الدماء، والعراق فقد بوصلته، وليبيا تنزف، والسودان مهدد بالتقسيم.
في حين تتكالب القوى الكبرى على خيرات الأمة، وتتناحر الحكومات العربية والإسلامية فيما بينها على مقاعد سلطة هشة لا تسمن ولا تغني من جوع.
المأساة الكبرى أن المسلمين باتوا غثاء كغثاء السيل، كما حذرنا النبي ﷺ، تتداعى عليهم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.
لا مشروع وحدوي يجمعهم، ولا كلمة سواء توحد صفوفهم، حتى منظمة التعاون الإسلامي، التي يفترض أن تكون لسان حال مليار ونصف مسلم، تحولت إلى كيان صامت لا يسمع له صوت في قضايا الأمة.
في ذكرى ميلاد نبي الأمة، لا يكفي أن نحتفل ونقيم الموالد ونزين الشوارع، الواجب أن نعيد قراءة رسالته: «إنما المؤمنون إخوة»، وأن نستعيد قيم العدالة والوحدة التي أرسى قواعدها.
إن العالم لا يحترم إلا القوي، والأمة التي تنسى تاريخها محكوم عليها أن تعيش على هامش الأمم.
لقد ترك لنا الرسول ﷺ أمة قوية متماسكة، فماذا تركنا نحن لأبنائنا؟ أمة ممزقة بلا قرار، وشعوب تبحث عن كرامتها بين ركام الانقسامات.
باختصار.. إن أمتنا اليوم على مفترق طرق خطير، فإما أن تعود إلى كتاب الله وسنة رسوله، وتجعل منهما دستورًا للحياة، وإما أن يستمر النزيف حتى نغدو أشلاءً تتقاذفها رياح المؤامرات.
لقد آن لقادة العرب والمسلمين أن يدركوا أن قوتهم في وحدتهم، وأن انكسارهم في فرقتهم، وأن التاريخ لن يرحم المتخاذلين.
ما يجري في غزة والضفة الغربية من إبادة جماعية وجرائم حرب، وما يُحاك في الكواليس من محاولات تقسيم للدول العربية وتمزيق لنسيجها، ليس إلا حلقة في سلسلة طويلة تستهدف اقتلاع الأمة من جذورها، لحساب المشروع الصهيوني – الغربي الذي لا يخفي أطماعه.
فلتكن ذكرى ميلاد نبي الأمة ﷺ لحظة صحوة ضمير، يتجاوز فيها القادة صغائر السياسة ومصالح الكراسي، ويصوغون مشروع وحدة حقيقية يعيد للأمة هيبتها.
وحدها الكلمة الواحدة والراية المشتركة هي الكفيلة بوقف النزيف، وحماية مقدساتنا، والتصدي لكل محاولات الإبادة والتمزيق، فلتعلُ صيحة الحق من جديد: «واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا».













