يشهد العالم العربي تدهورًا متسارعًا في أمنه القومي، حيث تجاوز التهديد الإسرائيلي حدود فلسطين المحتلة ليُصبح مشروعًا ممنهجًا يطال سيادة الدول العربية.
إسرائيل لم تعد كيان محتل يسيطر على أراضٍ فلسطينية، بل أصبحت قوة غاشمة تتحدى القوانين الدولية وتتجاهل كافة قرارات الشرعية العالمية، لتفرض نفسها كلاعب مستفز على المسرح الدولي، لا يأبه بأي قيود قانونية أو أخلاقية.
استطاعت إسرائيل منذ تأسيسها، أن تُفلت بشكل ممنهج من أي مساءلة دولية، مدعومةً بدعم غير محدود من القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
هذا الدعم الاستراتيجي الأعمى أعطاها مساحة غير محدودة لتجاوز الحدود المستقرة، ليصل الأمر إلى تنفيذ عمليات اغتيال واستهداف علني داخل عواصم عربية، في خرق واضح وصارخ للقوانين والأعراف الدولية.
هذه الانتهاكات المتكررة لدولة الاحتلال، تركت علامة استفهام كبيرة إزاء ردود الفعل الرسمية العربية، التي لا تزال محدودة التأثير وبدون استراتيجية واضحة للردع، الأمر الذي جعل تكرار هذه الأحداث أمر لا يلبث أن تهدأ روعته خلال ساعات.
الاستهداف الذي حدث اليوم في محاولة لتصفية قادات تابعة لحماس خلال اجتماع في قطر لبحث خطوات الهدنة، يكشف عن استراتيجية رسائل غير معلنة من إسرائيل للدول العربية مفادها: «لا سيادة لكم ولا حرمة لأراضيكم».
ما قامت به إسرائيل يمثل تحديًا مباشرًا للأمن القومي العربي، وإن بقيت الدول العربية بدون تحرك جاد ومُنسق للرد، فقد يكون هذا التصعيد مجرد البداية لسلسلة طويلة من الانتهاكات التي تهدد بنية استقرار المنطقة من أساسها.
إسرائيل التي تقوم بأنشطة سرية داخل بعض البلدان العربية، تُدير من خلاله شبكات استخباراتية تهدف إلى زراعة بذور الفتن وتأجيج الصراعات الداخلية، في هذه الدول.
قد تكون أغلب النزاعات الأهلية التي شلّت المنطقة في السنوات الأخيرة جزءًا من استراتيجية خبيثة لإسرائيل تهدف إلى تقسيم الدول وتحويلها إلى كيانات ضعيفة ومتفككة، يسهل السيطرة عليها واستنزاف مواردها الطبيعية والبشرية دون مقاومة قوية.
التطورات الكارثية التي شهدتها دول مثل لبنان، سوريا، العراق، ليبيا، السودان، واليمن وغيرها خلال العقد الماضي، تشير بوضوح إلى دور الموساد في إشعال الحروب الأهلية وتغذية الانقسامات الداخلية، والإضرار البالغ بمصالح هذه الدول.
مع اشتداد أزمات هذه البلدان، تُنهك الأمة العربية، وتزداد انشقاقًا بينما تُبرز إسرائيل نفسها كقوة إقليمية مُستفيدة من انهيار المنظومة العربية على كافة مستوياتها.
هذه الاستراتيجية تُرسخ الفوضى كوسيلة أساسية تسهم في حفظ مصالح إسرائيل وتعزيز هيمنتها على المنطقة، يوما بعد يوم.
الإدانات الرسمية التي تصدر من العواصم العربية تجاه الانتهاكات الإسرائيلية، تتعامل معها إسرائيل على أنها مجرد بيانات شكلية مهما كانت دلالاتها، ولا تحمل تأثيرًا عمليًا على الواقع.
إسرائيل لا تُلقي بالاً لهذه الإدانات لأنها تعمل بمنطق الردع المبني على القوة، وليس الكلمات، وبالتالي صار الخيار الوحيد للدول العربية هو التركيز على بناء منظومة ردع مشتركة قادرة على مواجهة هذا التهديد المتصاعد منذ سنوات.
غياب هذه القوة الحقيقية، خاصة في تلك الظروف بالغة الصعوبة التي يمر بها الوطن العربي، لن يؤدي إلا إلى تعميق الهيمنة الإسرائيلية وفتح الباب أمام المزيد من الاختراقات والانتهاكات التي تُعرض الأمن القومي العربي لخطر مستمر ومتزايد.














