بعد الضربة الإسرائيلية في قلب الدوحة، خرج علينا بعض «السياسيين الصدئين» والأبواق المأجورة – أولئك الذين يعيشون على أرشيف صورهم القديمة أكثر مما يعيشون على الواقع – ليقولوا بجدية مصطنعة: «مصر ليست إيران.. وليست قطر»، وكأن هذه الجملة الساذجة تكفي لردع صواريخ تل أبيب أو لطرد عملاء الموساد من قلب العواصم العربية.
أي وهم هذا الذي يجعل القاهرة استثناءً من سجل طويل من الاغتيالات؟ أليست هي نفسها المدينة التي شهدت سقوط معارضين ليبيين وفلسطينيين في ظروف «غامضة» لا تزال ملفاتها مركونة في الأدراج؟ أليست هي التي مرّت عبرها رياح السياسة الدولية كما تمر السكاكين في الزبد، من أيام الحرب الباردة حتى اليوم؟
من يردد هذه العبارة البائسة يتجاهل أن إسرائيل اغتالت قادة المقاومة في قلب بيروت، وصفت علماء الذرة في شوارع طهران، وضربت بطائراتها قلب الدوحة، فهل القاهرة بعيدة جغرافيًا؟ أم أنها محصنة بجدار وهمي من الشعارات والخطب الرنانة؟
وأنا على ثقة بأنهم أنفسهم الذين يرددون هذه الشعارات الجوفاء، سيخرجون بعد حدوث «المسكوت عنه» – لا قدّر الله – ليبرروا ويتمنطقوا بعبارات «تنفيسية» لا أكثر، لإشغال الناس عن جوهر الحدث، الذي يتنوع بناء على المتاح قد تكون ضربة عسكرية خاطفة، أو عملية استخباراتية للتخلص من الهدف، أو حتى خطفه، فهي لا تعيها الحيل، ولا تعدم الطرق المناسبة لتحقيق كامل أهدافها تاركة لنا الخزي والخذلان.
إسرائيل اليوم بلا رادع، وهي تحتاج أن ترى ردًا عمليًا على الأرض، لا بيانات ولا خطب، فهي لا تكتفي بالاغتيالات، بل تلعب في «بورصة الحكم العربي»، تنصّب الرؤساء، وتبارك الوزراء، وتحرك الكراسي كما يحرك طفل دميته.
ولولا أن الأمر جلل، لضحكنا طويلاً من سياسي يخرج علينا ليقول: «اطمئنوا.. القاهرة محمية»، بينما التاريخ والواقع يصفعان هذه الطمأنة الزائفة.
كيسنجر نفسه قالها صراحة: «حكام عرب يُعيّنون من واشنطن»، وإذا كان البيت الأبيض يمتلك هذا النفوذ، فهل تعتقدون أن تل أبيب تجلس في الصفوف الخلفية؟ بالعكس، هي تمسك بالخيوط وتلوّح بالعصا متى شاءت.
الذين يسخرون من فكرة أن إسرائيل قد تغتال في القاهرة، هم نفسهم الذين يظنون أن الكراسي العربية محصنة بمجد زائف، بينما الحقيقة: لا حصانة لأحد، ولا مدينة بمنأى عن يد تل أبيب الطويلة.
إسرائيل اليوم لا تقف عند حدود الجغرافيا، بل تخترق الجدران، وتفتح الأبواب المغلقة، وتكتب فصول اللعبة بدم بارد.
ومالم نستعد على الأرض بجدية، وتكون قواتنا المسلحة في كامل جهوزيتها، مع أوامر واضحة بالرد الفوري ودون انتظار على أي اعتداء، فلن يردع إسرائيل شيء. وعلى أجهزة الأمن كلها – من المخابرات بأذرعها إلى الأمن الوطني والمباحث والشرطة المدنية – أن تتعامل مع الأمر باعتباره معركة مفتوحة، لأننا نواجه عدوًا يبتكر الحيل ويضرب في لحظة غير متوقعة بخطط مدروسة.
الاستعداد ليس رفاهية ولا بروباغندا، إنه شرط حياة أو موت، أما الانشغال بالخطابات الجوفاء، والتمترس وراء سياسات عفنة لا تزال أسيرة «حنجورية» لا معنى لها، فذلك أخطر ما قد نقدمه لإسرائيل هدية مجانية تجعلها قادرة على الضرب والانسحاب والضحك في وجوهنا جميعًا.













