شاهدت على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة توثّق لحظة إقدام الشرطة الأميركية على تكبيل أيدي محاربين قدامى وناشطين، جرى اعتقالهم من قلب مقار الكونجرس في واشنطن.
المشهد لم يكن عادياً؛ رجال خدموا في جبهات القتال تحت العلم الأميركي، وجدوا أنفسهم اليوم في مواجهة الدولة نفسها لأنهم رفعوا صوتهم ضد ما وصفوه بـ«الهولوكوست الإسرائيلي» بحق الفلسطينيين في غزة، ونددوا بشراكة الولايات المتحدة في استمرار آلة الحرب والقتل.
المحاربون الذين شاركوا في حروبٍ سابقة باسم «الدفاع عن الديمقراطية والحرية»، اعتبروا أن ما يحدث في غزة يمثل «إبادة جماعية مكتملة الأركان»، مؤكدين أن التاريخ سيحاسب كل من يشارك فيها بالصمت أو بالدعم.
أحدهم صاح قبل أن يُسحب بيد ضابط شرطة: «اوقفوا القنابل – اوقفوا السلاح الامريكي عن القتلة الإسرائيليين المجرمون- اوقفوا دعم الإبادة الجماعية للفلسطينين».
هذا الصوت، لثلاث سيدات ورجل مكبلون جميعا وتجرهم الشرطة الى خارج مقار الكونجرس، بدا أعلى وقعاً من بيانات الحكام العرب الذين اكتفوا بمواقف باهتة أو بيانات دبلوماسية لا تتجاوز حدود الشجب.
الاحتجاجات التي قادها المحاربون القدامى لم تقتصر على واشنطن، ففي نيويورك وشيكاغو ولوس أنجلوس، تكررت المشاهد نفسها، لافتات ترفع صور الأطفال في غزة، هتافات تصف القصف الإسرائيلي بـ«الإبادة»، ومواجهات بين الشرطة ومحتجون يصرّون على إيصال صوتهم.
وبحسب منظمات حقوقية أميركية، فقد جرى اعتقال العشرات خلال الأسبوع الماضي، بينهم محاربون شاركوا في حرب العراق وأفغانستان، بينما أُفرج عن بعضهم لاحقاً بكفالات مالية.
اللافت أن صدى هذه الاحتجاجات تجاوز الشارع الأميركي، ليصل إلى العالم العربي. ناشطون ومتابعون علّقوا بأن أصوات المحاربين القدامى والناشطين الأميركيين، وهم يصرخون في وجه حكومتهم، كانت أكثر حدة وقوة من أصوات مئات الملايين في العالم العربي، حكاماً وشعوباً.
المفارقة المؤلمة أن من قاتلوا يوماً في صفوف الجيش الأميركي يرفعون الآن رايات العدالة للفلسطينيين، بينما ما زالت العواصم العربية غارقة في بيانات مترددة.
التأثير السياسي لهذه الاحتجاجات بدا واضحاً في أروقة صنع القرار الأميركي، جلسات الكونجرس الأخيرة شهدت مقاطعات من ناشطين رفعوا شعارات ضد الحرب، وأحرجوا أعضاء بارزين.
وسائل الإعلام الأميركية تناولت مشاهد تكبيل المحاربين القدامى بكثافة، وطرحت أسئلة محرجة عن جدوى استمرار الدعم غير المشروط لإسرائيل، بينما استطلاعات الرأي أظهرت تراجع التأييد الشعبي الأميركي للحرب.
من الناحية الإنسانية، أحدثت هذه الأصوات صدى مختلفاً: فحين يأتي الاتهام من محاربين خدموا تحت راية الولايات المتحدة، يكون أكثر وقعاً من أي تقرير حقوقي أو بيان سياسي.
هؤلاء الرجال ليسوا ناشطين عابرين، بل شهوداً على معنى الحرب، يعرفون ما تفعله القذائف حين تسقط على بيوت المدنيين، ومن هنا، فإن اتهامهم لـ إسرائيل بارتكاب «هولوكوست جديد» بحق الفلسطينيين لا يمكن تجاهله بسهولة، لا في الداخل الأميركي ولا على الساحة الدولية.
في المحصلة، ما جرى في أمريكا ليس مجرد مشهد احتجاجي عابر، هو لحظة فارقة تُظهر أن الضمير الإنساني يمكن أن يعلو على الاعتبارات السياسية.
أصوات المحاربين القدامى في الولايات المتحدة، وهم يواجهون الاعتقال والتكبيل، زلزلت مقاعد مشرّعين وحرّكت الرأي العام، لتكون أقوى بكثير من بيانات رسمية عربية فقدت معناها وسط الركام والدماء في غزة.














