منذ اندلاع الحرب على غزة في السابع من أكتوبر 2023، اختارت مصر موقفًا وطنيًا ثابتًا برفض أي حديث عن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، أو غيرها في إشارة إلى التصدي لكافة محاولات تصفية القضية الفلسطينية.
جاء ذلك إدراكا من القاهرة أن مخطط الاحتلال لا يستهدف غزة وحدها، بل يستهدف اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وتنفيذ فكرة الوطن البديل، كخطوة أولى في تنفيذ مخطط الشرق أوسط الجديد.
هذا الرفض الصارم أزعج تل أبيب وحلفاءها من الغرب وأمريكا، فبدأت دوائر الضغط تتحرك على أكثر من مسار لإخضاع القاهرة.
ولأن مصر تُدرك خطورة التنازل في ملف غزة على أمنها القومي وعمقها العربي، فقد اختارت إسرائيل وحلفاؤها ورقة أخرى لإرهاقها سد النهضة الإثيوبي.
علاقة تل أبيب الممتدة والمتينة مع أديس أبابا لم تعد خافية، فالتعاون الاستخباراتي والعسكري والاقتصادي بين الجانبين يجعل إثيوبيا أداة ضغط جاهزة للتلويح بها كلما تمسكت مصر بثوابتها.
اليوم، تتعرض القاهرة لضغط مزدوج ضغط مائي عبر التهديد المستمر بأزمة السد وتبعاته الكارثية على الأمن المائي المصري، وضغط سياسي وأمني عبر محاولات فرض مشروع التهجير من غزة.
والرسالة واضحة، إذا لم تتنازل مصر عن موقفها في غزة، فإنها ستُحاصر من الجنوب عبر النيل، ومن الشرق عبر حدودها مع القطاع.
لكن حسابات القاهرة تختلف، فمصر التي خاضت معارك وجودية عبر تاريخها، تعرف أن التفريط في شبر من سيناء أو قطرة من النيل هو انتحار قومي.
لذلك فإن كل هذه الضغوط، مهما تعاظمت، لن تُجبرها على الرضوخ لمخططات إقليمية تستهدف اقتلاع فلسطين وتجفيف مصر في آن واحد.
إن ما تتعرض له مصر اليوم ليس مجرد خلافات دبلوماسية عابرة، بل محاولة ممنهجة لتركيعها وإجبارها على التخلي عن دورها المركزي في الدفاع عن الأمن القومي العربي.
غير أن التاريخ علّمنا أن القاهرة قد تنحني أمام العواصف، لكنها لا تنكسر، وأن النيل وسيناء كانا وسيبقيان خطًا أحمر لا يُسمح لأحد بتجاوزه.
لقد كشفت التجربة المريرة والفيضانات التي تتعرض لها السودان الآن أن سد النهضة ليس مشروعًا بريئًا للتنمية كما تدّعي إثيوبيا، بل ورقة ابتزاز خطيرة.
السودان يتعرض لفيضانات جارفة دمرت آلاف المنازل وشردت عشرات الآلاف من الأسر، نتيجة فتح البوابات من دون إخطار مسبق.
هذه الكارثة كانت بمثابة «بروفة» لما قد يحدث إذا انهار السد أو استُخدم كسلاح مائي ضد مصر والسودان معًا.
إن ما جرى في الأراضي السودانية لم يكن مجرد خلل عرضي، بل إشارة واضحة إلى أن أديس أبابا تُدير المياه بعقلية «الحرب الباردة»، وتعتبرها أداة لفرض إرادتها حتى لو كان الثمن خراب مدن وشعوب بأكملها.
باختصار.. على المجتمع الدولي أن يدرك أن مصر ليست ساحة للابتزاز، وأن محاولات الضغط عبر سد النهضة أو التهجير من غزة لن تمر دون حساب.
المساس بحقوق مصر المائية أو محاولة فرض واقع ديموغرافي على حدودها الشرقية هو إعلان حرب صريح على الأمن القومي المصري، وإذا كانت تل أبيب تراهن على أديس أبابا كورقة ضغط، فإنها تلعب بالنار؛ فالنيل بالنسبة للمصريين ليس مجرد نهر، بل شريان حياة لا يقبل المساومة، وسيناء ليست أرضًا للصفقات، بل أرضًا ارتوت بدماء الشهداء.
من يغامر بالاقتراب من هذه الثوابت عليه أن يتهيأ لرد لا يعرف التراجع.













