إن مسيرة الإصلاح الوطني التي يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ توليه مسؤولية الوطن، تقوم على رؤية واعية تعيد بناء الدولة المصرية الحديثة على أسس العدالة الاجتماعية، والتمكين الاقتصادي، والمشاركة الشعبية الواعية، وفي قلب هذه الرؤية، تأتي الطبقة العاملة والفلاحون كأحد أهم أعمدة التنمية وقواعد الاستقرار، بما لهم من دور محوري في دفع عجلة الإنتاج وتحقيق الأمن الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، أجد لزامًا علينا أن نعيد النظر في هيكلة المنظومة النقابية المصرية، وأن نفتح الباب أمام النقابات المستقلة لتأخذ مكانها الطبيعي كشريك وطني في صياغة السياسات العامة، لا مجرد طرف هامشي يُستدعى في المناسبات.
ولذلك أطالب – بصفتي مؤسس المجلس القومي للعمال والفلاحين (قيد التأسيس) – فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بإفساح المجال أمام النقابات المستقلة لتتوسع وتشمل جميع القطاعات المهنية والإنتاجية والخدمية على حد سواء، تمامًا كما تُتاح الفرص لتشكيل اتحادات رجال الأعمال وغرف الصناعة والتجارة والزراعة.
ضمانة للعدالة الاجتماعية
إن إتاحة الفرصة لتأسيس النقابات المستقلة بحرية تامة ودون قيد أو شرط هو حق أصيل كفله الدستور المصري، ويجب أن يُترجم إلى واقع عملي يعكس إرادة الدولة في ترسيخ العدالة والمساواة.
فوجود تنظيم نقابي حر ومستقل يعبّر بصدق عن مصالح العمال والفلاحين هو حجر الزاوية لأي نظام ديمقراطي حقيقي يسعى لبناء دولة المؤسسات لا دولة الأفراد.
النقابات المستقلة ليست خصمًا لأحد، بل هي قوة وطنية داعمة للاستقرار والتنمية، لأن العامل الذي يشعر أن صوته مسموع وحقوقه مصانة يصبح أكثر إنتاجًا وولاءً، وأكثر حرصًا على حماية وطنه ومؤسساته.
إن تفعيل دور النقابات المستقلة سيخلق مناخًا من الثقة بين الدولة وقواعدها الشعبية المنتجة، ويمنح الحوار الاجتماعي بين الحكومة وأصحاب العمل والعمال بعدًا حقيقيًا يقوم على التوازن والتفاهم وليس على الإملاء أو التوجيه.
حرية التنظيم النقابي
لقد كفل الدستور المصري في مادته (76) الحق في تكوين الجمعيات والنقابات بحرية، وأكد على عدم جواز حلها أو حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائي، كما أن مصر صدقت على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (87) بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم، وهو ما يضع علينا واجبًا وطنيًا في مواءمة القوانين واللوائح التنفيذية مع تلك الاتفاقيات الدولية التي أصبحت جزءًا من التشريعات الوطنية.
ولذلك، فإن تطوير قانون التنظيم النقابي يجب أن يراعي إزالة العراقيل البيروقراطية التي تعطل تأسيس النقابات المستقلة، وأن يُعطي الحرية الكاملة للعمال والفلاحين لتكوين نقاباتهم بإرادتهم الحرة، وأن يُلزم الجهات التنفيذية باحترام هذا الحق الدستوري، بعيدًا عن أي وصاية أو تدخلات سياسية أو إدارية.
دعم التنمية والإنتاج
النقابات المستقلة ليست مجرد أداة للمطالبة بالحقوق، بل هي شريك اقتصادي فاعل يمكن أن يسهم بعمق في تطوير الإنتاج وتحسين بيئة العمل ورفع الكفاءة المهنية للعمال.
فمن خلال التدريب والتأهيل المهني، وتبني برامج للتطوير والإصلاح داخل مواقع العمل، يمكن للنقابات أن تتحول إلى أذرع حقيقية تدعم خطط الدولة في التنمية المستدامة، وتشارك في إعداد السياسات الاقتصادية والتشريعية ذات الصلة بالعمل والإنتاج.
كما أن وجود نقابات مستقلة قوية يسهم في تحقيق التوازن بين رأس المال والعمل، ويحد من الاستغلال أو الاحتكار، ويعزز الاستقرار داخل سوق العمل. فالمجتمع القوي هو الذي تتوازن فيه القوى الاجتماعية وتتكامل أدوارها، لا الذي تُهمش فيه فئة على حساب أخرى.
البعد الاجتماعي والسياسي
إن النقابات المستقلة تمثل المدرسة الأولى لتعلم الممارسة الديمقراطية الحقيقية، فهي تربي كوادرها على الحوار والتفاوض والتخطيط واتخاذ القرار الجماعي.
ومن هنا، فإن وجودها القوي يسهم في تخريج جيل واعٍ من القيادات النقابية والمجتمعية القادرة على حمل هموم الوطن بصدق ومسؤولية، بعيدًا عن أي شعارات أو مصالح ضيقة.
كما أن توسيع نطاق النقابات المستقلة ليشمل جميع المهن والحرف والقطاعات سيخلق منظومة مجتمعية متكاملة تدافع عن مصالح المواطنين وتدعم الاستقرار الاجتماعي، وتساعد الدولة في توجيه الدعم وإدارة ملفات العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي بكفاءة وعدالة.
التنظيم النقابي المستقل
إننا في حاجة إلى رؤية وطنية شاملة تضع النقابات المستقلة في موقعها الطبيعي ضمن منظومة التنمية الوطنية، رؤية تقوم على الشراكة لا الصراع، وعلى التعاون لا التنافس، وعلى الثقة لا الشك.
ويجب أن تتبنى الدولة حوارًا وطنيًا جادًا مع ممثلي العمال والفلاحين المستقلين، بهدف وضع خارطة طريق لتطوير العمل النقابي، وإطلاق العنان لطاقات الملايين من أبناء الوطن الذين ينتظرون الفرصة للمشاركة الفعلية في البناء.
إن فتح المجال أمام النقابات المستقلة ليس مطلبًا فئويًا أو عماليًا فحسب، بل هو ضرورة وطنية لحماية الاستقرار، وتعزيز العدالة، وتفعيل المشاركة الشعبية في إدارة شؤون الدولة.
إنها دعوة من القلب والعقل إلى القيادة السياسية الحكيمة بأن تمنح هذه المساحة الواجبة لأصحاب السواعد الشريفة والعقول المنتجة، فمصر لا تبنى إلا بسواعد عمالها وفلاحيها، ولا تستقر إلا بعدالة مؤسساتها ومشاركة مواطنيها.
لتكن النقابات المستقلة جسرًا بين القيادة والقاعدة، بين القرار والواقع، بين الحلم والتنفيذ، من أجل وطن قوي شامخ، يسير بثقة نحو مستقبل يليق بعظمة مصر وشعبها العظيم.
قيادي عمالي ومحلل سياسي













