في المدن والقرى والنجوع، لم يعد الغلاء موضوع نقاش عابر، بل أصبح هما يوميا يرافق المواطن المصري من الصباح حتى المساء.
الأسعار تتبدل بسرعة تفوق قدرة الجيوب الخاوية، والرواتب تبدو عاجزة عن مجاراة هذا الماراثون الصاعد بلا رحمة.
وبينما تتحدث البيانات الرسمية عن مؤشرات نمو وتوسع في الاستثمارات، يظل المواطن البسيط يسأل في صمت:
أين نصيبي من هذا الإصلاح؟
تتبنّى الدولة منذ سنوات مسارا اقتصاديا طموحا يستهدف إعادة بناء هيكل الإنتاج، وترشيد الدعم، وتعزيز دور القطاع الخاص في خلق فرص العمل.
الورق يبدو مطمئنا، والأرقام تتحدث عن خطط طموحة للنمو، لكن المشهد على الأرض أكثر تعقيدا؛ فالمواطن لا يتعامل مع المؤشرات بل مع الأسعار، ولا يقيس الإصلاح بحجم الاستثمارات بل بما يحمله جيبه من نقود تكفيه آخر الشهر.
في الأسواق، يكتشف الناس أن سلع الأمس أصبحت ترفا اليوم، وأن ما كان يشترى بالجنيه صار يحتاج مضاعفاته.
أسر كثيرة أعادت حساباتها، فقللت من الكماليات، وتنازلت عن بعض الضروريات، وكل ذلك في سبيل أن تبقى قادرة على مواصلة الحياة.
تاريخيا، شكلت الطبقة المتوسطة في مصر صمام أمان سياسي واجتماعي، فهي التي تحفظ التوازن بين الفقر والثراء، وتضمن استقرار المجتمع.
لكن هذه الطبقة باتت اليوم في مأزق حقيقي؛ دخلها لم يعد يكفي نمط حياتها السابق، وتكاليف التعليم والصحة والسكن تضغط عليها من كل جانب، وتكاد تكون هذه الطبقة قد اختفت بل واندثرت.. القلق لم يعد على الغد البعيد، بل على كيفية تدبير ضروريات اليوم.
في الشارع، تدور النقاشات بين الناس بقدر من الواقعية والمرارة، وفي الفضاء الإلكتروني، يعكس سيل التعليقات والمشاركات المزاج الشعبي المتأرجح بين الصبر والتساؤل.
الوعي العام لم يعد كما كان، فالمواطن بات يتابع الأرقام الرسمية ويحللها بفطرته، يسأل عن أولويات الإنفاق، ويقارن بين ما يقال وما يعاش على أرض الواقع.
ذلك ليس تمردا، بل إدراك متزايد بأن الاقتصاد لا ينفصل عن السياسة، وأن كلفة المعيشة هي المؤشر الحقيقي على عدالة القرارات.
ليس المطلوب أن تتراجع الدولة عن الإصلاح، بل أن تجعله أكثر إنسانية وعدلاً، فالتحول الاقتصادي، مهما كان ضروريا، يحتاج غطاء اجتماعيا يحمي الفئات الأكثر هشاشة.
العدالة ليست شعارا اقتصاديا بل شرط بقاء سياسي؛ إذ لا استقرار بلا شعور بالإنصاف، ولا تنمية بلا رضا شعبي يساند مسار التغيير.
إن حماية المواطن من آثار الغلاء لا تتحقق بالدعم النقدي وحده، بل بإعادة ترتيب أولويات السياسات العامة عبر زيادة الإنتاج المحلي، وضبط الأسواق، وتحسين الأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، حتى يشعر الناس أن الإصلاح ليس عبئا عليهم بل أفقا جديدا للحياة.
باختصار.. قد يتحمل المواطن المصري الكثير، لكنه لا يطلب المستحيل، كل ما يريده أن يرى ثمرة جهده وتعبه في استقرار معيشته وكرامته اليومية.
وحين يشعر أن الدولة تمضي معه لا فوقه، سيبقى مستعدا لبذل ما يلزم من صبر وعطاء، فالإصلاح الناجح ليس ما يقاس بالأرقام، بل ما يقاس بالوجوه المطمئنة والبيوت الآمنة.













