يُصوّر فيلم «كابول بين الصلوات» أثر الحرب على الناس، ليست الحرب في أفغانستان فحسب، بل هي الحرب في كل مكان. الحرب لا تُدمّر المدن والمباني والمنازل والمستشفيات والطرق فحسب، بل تُدمّر أرواح الناس جيلاً بعد جيل، أن التطرف المتطرف الذي شهدته أفغانستان هو نتيجة التدخل العسكري على مدار نصف القرن الماضي وأكثر.
يتمحور فيلم «كابول بين الصلوات» المعروض ضمن فاعليات مهرجان الجونة في دورته الثامنة حول ساميم، البالغ من العمر 23 عامًا، وهو جندي مخلص لعقيدة طالبان التي شكلت مصيره منذ ولادته، ويكافح بين وعود الشهادة المغرية ورتابة حياته اليومية كزوج ومزارع.
أما رافي، شقيق ساميم الأصغر، البالغ من العمر 14 عامًا، فيُقدّر أخاه الأكبر وهو يخوض غمار حيرة المراهقة، مُستعدًا لترك المرح ودخول عالمٍ شكلته عقود من التدخل العسكري وما نتج عنه من تطرف. الفيلم عرض في مهرجان البندقية السينمائي ضمن قسم «خارج المسابقة».
مشاعر مُعقّدة تزدهر
فيلم «كابول، بين الصلوات» يؤكد إن النضوج ليس بالأمر الهيّن، إنه وقتٌ مليءٌ بمشاعر مُعقّدة تزدهر وتتطور باستمرار، مُسلكةً مساراتٍ عديدةً لا تبدو أبدًا بنفس أهميتها الجوهرية في خضمّ الوصول إلى هذه الاستنتاجات. كما أن مكان حدوث هذا التغيير بالغ الأهمية.
تلعب البيئة دورًا هامًا في فهمنا للعالم، وكيفية إدراكنا للأحداث وتفسيرنا لها تأثيرٌ بالغٌ في تحليلنا طويل الأمد. لا يسع المرء إلا أن يتخيّل المصاعب التي نواجهها في أوقات الحرب العنيفة، وكيف يُمكن أن تتشكّل عقول الشباب بشكلٍ جذريّ بناءً على أيّ جانبٍ من الصراع ينتهي بهم الأمر إلى الانضمام إليه.
إنه مفهومٌ يهتمّ به «كابول بين الصلوات» بتحليله أولئك الذين هم محور هذه القطعة يجدون أنفسهم مُهمَلين في فترةٍ زمنيةٍ مضطربة، وهذا يُؤثّر بلا شكّ على وجهات نظرهم. إنه منظورٌ مُؤرقٌ، لكنّه للأسف يفتقر إلى الكثير من التأثير بسبب تنفيذٍ كئيبٍ وغير مُتعمّق.
خادم عدواني
العمل الذي نتناوله هنا هو منطقة في أفغانستان سيطرت فيها طالبان سيطرةً تامة على المجتمع وعلى العديد من الشباب سريعي التأثر الذين يعيشون حاليًا في المنطقة. أحد هؤلاء المشاركين هو ساميم، جندي في الثالثة والعشرين من عمره، ويتحمل أيضًا مسؤوليات كمزارع ورعاية أسرته.
يحيط به شقيقاه الأصغران، ورافي، الذي على أعتاب الرجولة في الرابعة عشرة من عمره، يتلقى بالفعل تعاليم هذه المجموعة. يستمتع ساميم بفرصة الانضمام إلى حركة أكبر، لكنه يهتم اهتمامًا بالغًا بمن ضحوا بحياتهم من أجل القضية، ويأمل أن يكون على طريق حياة أكثر إشباعًا. أما رافي، فقد بدأت رحلته للتو، ونشاهد بذور ما سيحول براءة الطفولة إلى خادم عدواني في صراع قد يضحي هو نفسه بتضحية كبيرة فيه.
يتمتع المخرج أبوذر أميني بنظرة ثاقبة داخل هذه العائلة الصغيرة التي تُرسخ في ذهنه شعورًا كئيبًا وهادئًا بالمكان.
الخطاب القاسي
يلتقط الفيلم لحظات الزراعة اليومية الضرورية لاستمرار الحياة، والتي تصطدم بعنف مع مظاهر الأيديولوجيات السياسية الأكثر قسوة. إن الصورة المزدوجة لصميم وهو يساعد إخوته على حمل أكوام من العصي على ظهورهم، بينما يفرض هو قواعد نقاط التفتيش لاستجواب أي شخص قد يكون قد انتهك أي قواعد تفرضها طالبان، والتي يبدو أنها تركز بشكل رئيسي على النساء المشتبه بهن، تُمثل فرقًا صارخًا يُبرز الإجراءات الجذرية التي تُتخذ من أجل البقاء.
وينطبق الأمر نفسه على دراسة رافي، إذ يغرس الخطاب القاسي الذي يُلقي بظلاله على عقله الصغير، خاصةً عندما تكشف لحظة شجار مع أخيه الأصغر عن نظرة باردة في عينيه قد تحمل ميلًا متزايدًا نحو هذه الرغبة. كما يُقدم أميني بعض الصور القوية التي تُبرز الجمال المظلم الذي قد يكون فاتنًا.
ومن المدهش حقاً أن نرى الممر الطويل لمدرسة طالبان، حيث تم ترك العشرات من الأحذية خارج المدخل بينما بدأت الصلاة، في إشارة إلى العملية واسعة النطاق التي يتم القيام بها لتحويل عقول هؤلاء الشباب.
الرتابة المفرطة للحفاظ على التفاعل
في الوقت نفسه، ورغم قوة اللحظات، يميل فيلم «كابول بين الصلوات» إلى الرتابة المفرطة للحفاظ على التفاعل. يبدو هذا مؤشرًا على مشاكل الإيقاع المستمرة طوال الوقت.
تُعد المشاهد التي يظهر فيها ساميم وهو يؤدي واجبه في نقطة تفتيش ويتقاطع مع شباب آخرين يعشقون أساليب طالبان لمحة رائعة عن المجتمع الأكبر. ومع ذلك، يستمر الملل لفترة طويلة جدًا، ويحل الملل، تتجول القصة أيضًا في حياة رجال آخرين يشتركون في قصة خلفية مماثلة لساميم، لكن إدراجهم يبدو أيضًا وكأنه إلهاء عن القصص الأكثر تشويقًا التي تم إنشاؤها بالفعل.
موت البراءة
في الحقيقة، غالبًا ما يبدو أن هذه القطعة كانت لتكون أكثر تأثيرًا لو كانت قصة رافي هي المحور الرئيسي. إنه لأمرٌ مُرعب ومُقلق للغاية أن نرى صبيًا ذكيًا ومُبتهجًا كهذا يستسلم تدريجيًا للمُثل التي ستُحوّله إلى آلةٍ قاسيةٍ من أجل قضيةٍ قد يؤمن بها أو يفهمها تمامًا.
عندما يُطلب منه مباشرةً تلاوة آياته المُفضّلة من القرآن الكريم، يفعل ذلك بذاكرةٍ فوتوغرافية. ومع ذلك، عندما يُطلب منه شرح معاني الآيات وقيمتها لديه، لا يستطيع تقديم إجابةٍ وافية، لا يزال طفلًا يضحك لمجرد فكرة الكشف عن إعجابٍ بفتاة. لكن لن يمرّ وقتٌ طويلٌ حتى يُكسر هذا الشعور المُتهوّر.
جلسة تدريبٍ مُرتجلة ببندقية AK-47، تُسلّم إلى كلٍّ من رافي وشقيقه الأصغر، تُمثّل رؤيةً مُقلقةً تُفصّل مدى إصرار الهدف على الوصول إلى هؤلاء الصبية في سنٍّ مُبكرة. إن موت البراءة بهذه السرعة يعد ساحة مزعجة ولكنها آسرة تستحق الاستكشاف، وكان الفيلم ليكون له صدى أكبر لو كان هذا هو الجزء الأكثر من أطروحة الفيلم.
أيديولوجيةً مُؤذيةً
يبقى فيلم «كابول بين الصلوات» آسرًا فهو يُقدّم صورةً مُقلقةً لكيفية انجراف حياةٍ بسيطةٍ نحو مُثُلٍ مُريعةٍ تُرسّخ أيديولوجيةً مُؤذيةً في عقولٍ سهلة التأثر. من جهة، قد يكون الأوان قد فات، ورؤية هذه المُثُل مُتكلسةً أمرٌ مؤسف، حتى وإن كان لا يزال هناك شعورٌ بالإنسانية يسكنها.
لكنّ مشاهدةَ أولئك الذين يبدأون لتوِّهم عمليةَ التلقين، وشعورَكَ بالعجزِ أمامَ هذه العمليةِ التي ستُؤدّي في النهاية إلى تآكلِ تلك الجوانبِ الأكثرِ نقاءً من الروح، تُثيرُ فينا دهشةً بالغةً. إنّها فكرةٌ أكثرُ تشويقًا للتأمل، وعندما لا يُركّز الفيلمُ على هذا الجانب، يُمكن أن يُصبحَ النغمُ رتيبًا والإيقاعُ بطيئًا، ما نُقدّمه هو لمحةٌ عن تجربةٍ أخرى تجدُ عقولًا شابةً تختارُ مساراتِها الخاصةَ للمستقبل سيظلُّ الأمرُ مُقلقًا دائمًا عندما تبدو بعضُ الطرقِ أكثرَ قتامةً من غيرها.
للمزيد من مقالات الكاتبة اضغط هنا













