كثر الحديث عن الرقص في مولد السيد البدوي بل في كل موالد آل البيت التي لا تنتهي وينتقل إليها المريدين بل يرتحلوا وهم في الأغلب الأعم من البسطاء الذين أكل عليهم الزمان وشرب فلا علم ولا تعليم ولا مستقبل ولا حاضر أيضا.
ولا غرابة فربع سكان مصر هكذا وإذا تكلمت عن الفقر فحدث ولا حرج ولأن الدين أفيون الشعوب فقد أطلقوا لهم العنان تحت مظلة الصوفية والتي لها ألف طريقة وطريقة ولكل طريقة علم بفتح العين وشيخ ومريدين ومجاذيب.
وهنا المجذوب ليس بمعنى المجنون وإنما بمعنى أنه اندمج في صوفيته وانجذب نحوها حتى أصبح جزء منها.
وللصوفية أربع أقطاب اثنان منهم من العراق وهم أحمد الرفاعي وعبد القادر الجيلاني واثنان في مصر وهم السيد أحمد البدوي وإبراهيم الدسوقي، ويرى أهل التصوف أن كل قطب منهم مسؤول عن جزء من الكون ويتجهون إليه بالتبجيل وأنهم يمثلون القيادة الروحية للأولياء ويظنون بهم أنهم تجاوزا عادات الحياة وأهل الخطوة وهم هرم الولاية الصوفية.
وعادة يرفض الإسلاميون الذين لا يتبعون الصوفية فكرة الأولياء ويفضلون الاتصال المباشر بالله دون واسطة معتمدين على قوله تعالى «وقل ادعوني استجب لكم» صدق الله العظيم، وإن كان الشيخ الشعراوي من محبي السيد البدوي فإن ابن تيمية اعتبر طرقه مخالفة للشريعة.
ولكن الأزهر له رأي آخر فهو يعتبره من أولياء الله الصالحين كقطب عارف وأن محبته وزيارته من أمارات الصلاح وأنه بلغ الغاية في الأخلاق والفتوى وكذبوا رواية أنه شيعي مدسوس ويقرون بنسبه لآل البيت رغم أنه مولود في فاس بالمغرب وانتقلت أسرته إلى مكة ثم إلى مصر، وانه وإرث نبوي ونسب علوي هاشمي وفقيه بلغ الغاية في الفتوى كان يطعم الطعام ويرعى الأيتام والمحتاجين والوافدين ويعتبرون الجامع الاحمدي شقيق الجامع الأزهري.
وتصديقا لأهل الصدق عن قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم «أنتم شهداء الله في الأرض» وكل ما قيل عنه باطلا قد دحضه علماء الأمة وقال عليه الصلاة والسلام «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة فإن رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم» رواه ابن ماجة.
أما ياسر جابر الفيوري كان يقول إن السيد البدوي كان لا يصلي جماعة ولا الجمعة وكذلك ابن تيمية ويبرر ذلك اتباعه بانه في أواخر أيامه كان يختلي بنفسه طول الوقت.
وكان مريض والمريض مرفوع عنه الجمعة والجماعة، ويعتقد الصوفية أن قطب الزمان هو لقب روحي في التصوف ويطلق عليه «الغوث» وهو أعلى ولي لا يعلم أحد هويته إلا الله وهذا يثير خلافات بين الصوفية فمن هو قطبهم الحالي؟.
ويعتقد المعتزلة أنه لا مؤمن أفضل من الأخر فالإيمان هو القياس الجامع بين الأمة ومن المعروف أن نبتة الصوفية والتشيع جاءا من فارس والعراق غير أن الصوفية لم يقفا عند حدود الشيعة الذين يعتقدون أن الإمامة انتقلت من الرسول إلى الإمام علي ثم إلى نسله وهي فكرة سياسية إلى حد كبير.
أم الصوفية يعتبرون أنفسهم خاصة أهل الله فالأنبياء معصومين والأولياء هم أهل «الجذب» و«الفناء» في الله وإذا أضيفت الكرامات اعترف الناس بالولي في حياته ومماته معتمدين قول الحق «ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولاهم يحزنون» والفناء عندهم هو نهاية الطريق وعتبة الوصول إلى الله.
ويرى الإمام الأكبر عبد الحليم محمود شيخ الأزهر وهو من كبار الصوفية أن أكبر كرامة للسيد البدوي أنه ربى رجالا وكون أبطالا مجاهدين ويقول الإمام السيوطي إن السيد البدوي كان اللثام لا يفارقه ولم يتزوج وعاش فوق سطح بيته لا يتركه أبدا وأنه له مسبحة من ألف حبة فإذا أراد أحد السلام عليه أنزل له طرف المسبحة، وقد عاش في العصر المملوكي وعاصر معركة المنصورة وعين جالوت والسلاطين بيبرس وقطز.
أما الرقص الصوفي الذي نراه فهو حالة أرى أنها قد تكون تفريغ لمعاناة نفسية يسميها العامة «بيفقر»، أو يفرغ همومه وما أكثرها في وطن ترفض الديون أن تتركه والغلاء يحاصره.
ولو اسعدتك التجربة مثلي يوما حيث ذهبت مع صديق لمولد سيدنا الحسين وأنا طالب في بكالوريوس الطب ووقفت بالكاد يوم الليلة الكبيرة على مقربة من صيوان كان يصدح بصوت الشيخ تهامي الكبير والجموع من كل أنحاء مصر يرفعون على رؤوسهم المسجلات حيث كانت حديثة العهد بعد طفرة العودة من الخليج في أواخر السبعينات من القرن الماضي وأنا أرى جميع المسجلات «الكاسيت» ترقص يمينا ويسارا فأشار علي صديقي أن أترك نفسك فسوف تتمايل مثلهم دون أن تدري.
ولاشك أن الزحام كان خانقا ناهيك عما يرتكب فيه من المآسي والخزعبلات وألعاب الثلاث ورقات والنصب والاحتيال ومن يفك الأعمال ويقرأ الطالع ويجذب الحبيب ويقرب البعيد وخيام متفرقة لا تعرف ماذا يدور فيها ومن فيها ورويدا رويدا مع الزحام دخلنا من ناحية مستشفى الحسين الجامعي ساقتنا أرجلنا من دفع الناس إلى قرب ميدان الأوبرا فلم أصدق نفسي أني خرجت سليما.














