في زمن تتداخل فيه المصالح وتغيب فيه الرحمة عن بعض القوانين، أطل مشهد «غريب السويس» كجرس إنذار يدق وجدان الوطن، رجل مسن تجاوز السبعين من عمره، يعيش في بيت قضى فيه حياته، يتعرض لإهانة من مالك العقار لا لذنب، بل لأن قانون الإيجار القديم المستحدث قرر أن ينتزع منه هذا المأوى الذي كان مصدر أمانه.
صفعة واحدة أيقظت ملايين العيون، لتعيد تسليط الضوء على قضية تخيل البعض أنها طويت، لكنها كانت تنتظر لحظة تنفجر فيها بصوت يسمعه الجميع.
ما حدث مع غريب، لم يعد مجرد قصة إنسان بسيط لا يملك من الستر إلا جدران شقته، بل بات رمزا لصراع أصيل بين بشر يبحثون عن الكرامة والأمان وقانون ينظر فقط إلى الأرقام والمصالح.
ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بمشهد موجع هز المشاعر، رجل مسن من السويس يعرف باسم «غريب»، يتلقى صفعة على وجهه من مالك العقار الذي عاش فيه عقودا.
مشهد تجاوز الألم الشخصي ليتحول إلى شرارة أشعلت المجتمع؛ لأن تلك الصفعة لم تستهدف شخص غريب فحسب، بل كانت ضربة موجعة لفكرة العدالة الاجتماعية، وصرخة تعبر عن معاناة من سحقهم قانون فقد رحمة التطبيق.
صفعة غريب هي في حقيقتها صفعة على وجه القانون رقم 164 لسنة 2025، القانون الذي ولد تحت شعار «تحرير العلاقة الإيجارية» لكنه في الواقع حرر المالك وقيد المستأجر، حرر الجدران وقيد الإنسان.
في وقت مضى، كان قانون الإيجار القديم ضمانا للملايين ضد تقلبات السوق وأعباء المعيشة، كان اتفاقا غير مكتوب بين الدولة والمواطن يحمي البسطاء.. أما الآن فقد تحول إلى مأساة تعزز الشعور بالغربة؛ غربة الإنسان عن وطنه وقوانينه وعدالته.
لم يطلب غريب الشيء المستحيل، لم يتجاوز حدوده أو يعتدِ، كل ما أراده هو الاحتفاظ ببيته-ذلك المكان الذي شهد سنوات عمره الأخيرة وماضيه بكل ما فيه من ذكريات- غير أن القانون الجديد أبلغه رسالة قاسية: «يجب أن تغادر».
إلى أين يذهب شخص مسن أمضى حياته في شقة صغيرة لا تمتد لأكثر من 60 مترًا؟ وماذا عن الأرامل والأمهات، عن الأطفال وعن الموظفين المتقاعدين الذين لا ملاذ لهم سوى هذه البيوت المتواضعة؟ هل نسعى لتحرير الأحجار وننسى البشر؟
العدالة ليست موزونة فقط بمنطق السوق وتحقيق الأرباح؛ فالعدل الحقيقي يتطلب ميزانا أخلاقيا ومعنويا.. عندما تتحول العلاقة بين المالك والمستأجر إلى مواجهة غير متكافئة، وعندما يعطى القوي الحق ليطرد الأضعف من مأمنه باسم «التحرير الاقتصادي»، تصبح الأزمة أخلاقية قبل أن تكون قانونية.
ورغم مرارة الموقف، استطاعت وسائل التواصل أن تحل الألم إلى صحوة مجتمعية، لقد قدمت قضية غريب نموذجا لمواجهة حقيقية أمام القوانين التي تفتقر للروح الإنسانية؛ صوت غريب صار صدى لكل قلوب تخشى يوما أن تفقد حقها في السكن.. إنها رسالة من غريب إلى كل غريب.
المواطن بحاجة إلى قوانين عادلة تبقي على الكرامة وتصون الأمان، نحن بحاجة إلى قانون يحقق التوازن بين حقوق المالك واحتياجات المستأجر، بين الاقتصاد وقيم الإنسانية.
ما حدث مع غريب السويس ليس مجرد واقعة عابرة، بل إشارة واضحة إلى ضرورة إعادة النظر في التشريعات بوحي من الضمير لا الأرقام فقط.
نريد قانونا يوازن بين حق المالك وحق الحياة، بين حرية السوق وكرامة المواطن.. غريب السويس لم يكن حادثة، بل جرس إنذار، فإن لم نعد النظر في قانون الإيجار القديم بروح إنسانية لا بلغة الأرباح، فسنجد أنفسنا في وطن بلا بيوت، وقانون بلا ضمير، وعدالة بلا قلب.













