في بلد تسمع فيه المآسي فقط حين تصطدم بالكاميرات، تحولت حادثة السويس إلى أكثر من مجرد اعتداء على رجل غريب في بيته.
كانت صفعتان، لكنهُما أيقظتا أمة بأكملها من غفوة طويلة، فتكشف معها وجه القهر الاجتماعي الذي يعيشه آلاف الصامتين بلا ضوء ولا صوت.
لم يكن «غريب» بطلا في الحكاية، بل مرآةً لما آل إليه حال المواطن البسيط حين تغيب عنه الدولة إلا بعد الفضيحة.
في لحظة عابرة، تغيّر كل شيء، رجل بسيط، صفعه مالك العقار أمام أسرته، فانتشرت الواقعة كالنار في الهشيم.
لم يكن أحد يتوقع أن تتدحرج القصة بهذه السرعة حتى تصل إلى مكاتب المسؤولين وكبار المحامين ووسائل الإعلام.
صار الغريب الذي لم يكن يُرى، حديث الناس، ومثار تعاطف المؤسسات، وضيفا في نشرات الأخبار.
لكن خلف كل هذا الضجيج، يبرز سؤال أكثر وجعا من الصفعتين:
لماذا لا يُرى الفقراء إلا بعد أن تُعرض مآسيهم؟ هل يعني أن الكرامة تحتاج إلى ضوء كاميرا لتعود، أم أن الإنسانية لا تتحرك إلا حين تخجل من نفسها على الشاشات؟
ما جرى في السويس بسبب تداعيات قانون الإيجار القديم، لم يكن حادثا فرديا، بل كشف خللا أعمق في علاقة الدولة بمواطنيها، فبدل أن تكون الرعاية حقا أصيلا، أصبحت رد فعل مؤقتا، وبدل أن تكون العدالة مسارا طبيعيا، أصبحت استجابة متأخرة لضغط الرأي العام.
المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في غياب الرؤية الاجتماعية التي ترى الإنسان قبل أن يتحول إلى قضية.
حين زاره المسؤولون وتدافعت الجهات لتقديم المساعدة، بدا المشهد أشبه بسباق لتلميع الصورة لا لإنقاذ الواقع، وكأن كل يد تُمد للغريب إنما تمد لتبرئ نفسها أمام الجمهور.
وما بين تضامنٍ صادق وتضامن استعراضي، ضاع المعنى الحقيقي للعدالة: أن يُعامل المواطن بكرامة قبل أن يُهان، وأن تُحترم إنسانيته قبل أن تُصفع.
إن المأساة الحقيقية ليست في صفعتين على وجه رجلٍ مظلوم، بل في الصمت الذي سبقها، في العيون التي لم تره حين كان يستغيث بلا كاميرا، وفي منظومة اعتادت ألا تسمع إلا إذا صاح الناس جميعا دفعة واحدة.
لقد كشف «غريب السويس» دون أن يقصد، هشاشة العدالة الاجتماعية، وعمق الفجوة بين المواطن والدولة، فهو الغريب في وطنه، الذي لم يعرف حضن الدولة إلا بعد أن رأته الشاشات.
ربما يجد الغريب الآن سقفا يأويه، وربما يجد الدواء بعد ما أنهكه الفقر، لكن ما لم تجد الدولة علاجا لأوجاع الصامتين، فستظل كل صفعة تُوقِظها للحظة ثم تُعيدها إلى سباتها الطويل.. الكرامة لا تُمنح بعد الألم، بل تُصان قبله.
والدولة التي تنتظر «الفيديو» لتتحرك، ستظل تلهث خلف الأزمات بدل أن تسبقها بالرحمة والعدل.
إن ما نحتاجه ليس تضامنا لحظة الغضب، بل ضميرا حاضرا قبل الكارثة، وعدالة تمشي في الشوارع لا في المؤتمرات.
وحين تصل الدولة إلى تلك الدرجة من الوعي، لن نحتاج إلى صفعة أخرى كي نُذكرها أن بيننا غرباء.. يعيشون بيننا في بيوتهم، لكن لا يراهم أحد.














