لم يكن غريبا أن تتحول دعوات الإضراب في مدارس مصر إلى حديث الساعة، فالمشهد لم يعد يحتمل مزيدا من الصبر أو التجمل.
مثلث العملية التعليمية – المعلم والطالب وولي الأمر ـ أصبح في قلب العاصفة، يتقاسم الجميع وجعا واحدا عنوانه الظلم الممنهج وقرارات عجيبة لا تمت للواقع بصلة.
الطلاب اليوم لم يعودوا يعرفون معنى الطفولة، فحقائبهم المدرسية تكاد تزن أكثر من أحلامهم.
المناهج المكثفة، والامتحانات المتلاحقة، والتقييمات التي لا تنتهي، جعلت من المدرسة ثكنة تعليمية، ومن التلميذ آلة حفظ تعمل بنظام «الشحن السريع»، هل يعقل أن يصبح التعليم مرادفاً للعقاب؟
الطفل الذي كان يذهب فرحاً إلى مدرسته أصبح يستيقظ يومياً وهو يردد: «اللهم خفف عنا البلاء الوزاري».
أما المعلم، فحكايته مأساة أخرى، تظلمات لا أول لها ولا آخر، وحقوق ضائعة في دهاليز الوزارة، وإجراءات بيروقراطية خانقة جعلت من مهنة الأنبياء ميداناً للمعاناة اليومية.
كل قرار جديد يصدر، وكأنه صمم خصيصا لتذكير المعلمين بأنهم الحلقة الأضعف في معادلة التعليم، وأن من يطالب بحقوقه عليه أن يتحمل لقب «المُعترض»!
صرخات أولياء الأمور وصلت عنان السماء، مصروفات المدارس تضاعفت، الدروس الخصوصية التهمت الميزانيات، والمصاريف الإضافية لا أحد يعرف أين تذهب أو لماذا فرضت أصلا.
وأصبحت الأسرة المصرية تعيش حالة طوارئ مالية مع كل بداية عام دراسي، وكأن التعليم تحوّل إلى سباق جباية لا نهاية له.. أولياء الأمور الآن لا يطالبون بالإصلاح، بل بالرحمة!
إجماع شعبي غير مسبوق.. حين يجتمع المعلم والطالب وولي الأمر على كلمة واحدة، فاعلم أن الخطأ جسيم.
الإجماع الشعبي ضد الوزير لم يأت من فراغ، بل هو نتاج ممارسات غير مسبوقة جعلت التعليم في مصر على صفيح ساخن.
لم يعد أحد يسأل: «ما الجديد يا معالي الوزير؟»، بل أصبح السؤال المتداول: «متى ينتهي هذا الكابوس؟».
«أقيلوه.. يرحمكم الله!».. من زمن طويل لم يتفق المصريون على شيء كما اتفقوا على هذه الجملة.
ما من بيت في مصر إلا وله خصومة معلنة أو مكتومة مع الوزير، قراراته وضعت الجميع في مواجهة الجميع، وخلقت حالة غير مسبوقة من الاحتقان داخل كل مدرسة وفصل وبيت.
لقد آن الأوان أن يُرفع عن هذا الشعب عبء «التجارب الوزارية»، فالتعليم ليس حقل تجارب، بل هو مستقبل وطن.
إن ما يحدث اليوم ليس خلافاً على سياسات تعليمية، بل على كرامة الإنسان المصري في مواجهة من يعبث بأجياله القادمة.
إذا كان الوزير يرى أن هذه القرارات إصلاح، فالشعب كله يراها انهياراً، ولذلك لم تعد المطالبات خافتة.. بل صارت صرخة مدوّية: «أقيلوه.. يرحمكم الله»!!.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














