عندما وقف الشاب الثائر زهران ممداني قبل ساعات من التصويت في انتخابات عمدة نيويورك ليقول «نحن على وشك أن نصنع التاريخ» كان يدرك ما يقول، وكان يعلم ماذا يقصد بصناعة التاريخ.
لم يكن حديثه مجرد شعارات انتخابيه تهدف إلى تحريك مشاعر الناخبين، أو خطاب حماسي لا يلبث أن يختفي في أعقاب غلق صناديق الاقتراع.. لكن الحديث كان أعمق بكثير، والشعارات كانت عنوانا للزلزال القادم من نيويورك، ورسالة من الشعب الأمريكي إلى الحاكم بأمره في البيت الأبيض.
بل رسالة سياسية تحمل نظريات جديدة في الحكم ربما تنتشر في دول كثيرة خلال المرحلة القادمة.
وكانت الصحافة العالمية على حق عندما لخصت المشهد الانتخابي في نيويورك في عبارة واحدة «زهران ممداني على أعتاب صناعة التاريخ».
ولأن صناعة التاريخ في نيويورك هذه المرة لم تكن مقصورة على النخبة أو الطبقة المثقفة، كما يحدث في معظم التجارب فإن رد الفعل الصادر من الحاكم الفائز كان مختلفا أيضا.. فقد اعتبر ممداني فوزه في الانتخابات انتصارا لكل سكان نيويورك من سائقي سيارات الأجرة إلى الطهاة.
لم تكن انتخابات عمدة نيويورك مجرد انتخابات عادية.. بل كانت صخرة تحطمت عليها نظريات وقواعد واستراتيجيات وأسس حاكمة منذ أكثر من قرن من الزمان.
أول مسلم يفوز بمنصب مهم في تاريخ أمريكا.. تلك كانت المفارقة الأولى.. وهذا يعنى الكثير سواء بالنسبة للمرشح وللديانة التي ينتمي إليها.
صحيح أن الزلزال الذي ضرب الولايات المتحدة صباح الأربعاء وكان مركزه نيويورك لم يكن أيديولوجيا فقط.. بل كان شاملا وكاسحا.. إلا أن الجانب الأيدلوجي كان واضحا وفي بؤرة الأحداث وربما كان لخطاب ترامب العدواني تجاه أيديلوجية ممداني أكبر الأثر في هذا.
لم يكن الرعب الذي سيطر على الرئيس الأمريكي من نجاح «ممداني» عائدا إلى كونه ينتمي للحزب الديمقراطي.. بل لكونه مسلما، هذا ما أشارت إليه وسائل الإعلام العالمية حيث قالت الإذاعة الدولية لألمانيا «دويتشه فيله» وهي واحدة من كبريات إذاعات العالم أن التحذير الذي أطلقه الرئيس الأمريكي لسكان نيويورك عشية الانتخابات وتهديده لهم في حالة انتخاب ممداني لم يكن عنيفا في لغته فحسب.
بل كاشفا في مضمونه.. فالرئيس الأمريكي – والكلام مازال للاذاعة الألمانية- لا يخشى مرشحا عاديا، بل يخشى فكرة أن يتربع «مسلم اشتراكي» على عرش المدينة التي طالما كانت رمزا للرأسمالية.
بعد هذه الصراحة من الإعلام الأوروبي نستطيع أن نقول أن الخوف من ممداني هو خوف أيديلوحي بالأساس ويحمل بداخله بذور التعصب والكراهية.
بانتخاب ممداني سقطت نظرية الإسلاموفوبيا التي روجوا لها كثيرا في أمريكا والغرب.. وها نحن اليوم أمام شاب مسلم منحه الأمريكيون ثقتهم في منصب رفيع يعد بمثابة الطريق إلى البيت الأبيض.
أسقط الأمريكيون في نيويورك نظريات التعصب الأعمى ضد الإسلام تلك النظريات التي حاصرته في الإرهاب والتعصب والتخلف والرجعية وتجاهل أصحاب هذه النظريات عن عمد أن الإسلام هو دين التسامح والوسطية والاعتدال والتقدم وتحقيق الازدهار والسلام وأن من أهم ركائزه العدل والحرية والمساواة.
لقد سقطت المؤامرة على أعتاب نيويورك وكتب الأمريكيون في تلك الولاية تاريخا جديدا، ووضعوا ثقتهم في شاب مسلم اشتراكي ديمقراطي رفع شعار معا من أجل حياه كريمة.














