تجربة نيويورك الأخيرة تلقي بظلالها على كل من يؤمن بحق الشعوب في اختيار من يمثلها بإرادتها الحرة.
ففوز زهران ممداني لم يكن مجرّد انتصار انتخابي، بل كان تعبيرًا صادقًا عن وعي مجتمعٍ احترم نفسه أولاً، وأدرك قيمة صوته، فأجبر العالم على احترامه.
لقد وقفت الحكومة وأجنحتها، بما فيها وسائل الإعلام برمتها، بل والحزب الديمقراطي نفسه، في وجه المرشح، وضُيّق عليه بسبب مواقفه الجريئة التي تنسجم مع مبادئ الإنسانية واحترام الكرامة البشرية.
ومع ذلك، انتصر الشعب له، لأنهم رأوا فيه صوتهم الحقيقي، وطموحهم المشروع، لا مجرّد مرشحٍ حزبي.
بعض المحللين رأوا أن سبب فوزه هو موقفه من العدوان الصهيوني الغاشم على غزة العزة والإباء، وتصريحه بأن نتنياهو مجرم حرب، وأنه سيقدّمه للعدالة الدولية إن دخل نيويورك، بينما دعا ترامب الجماهير إلى عدم التصويت له.
ورغم وجاهة هذا التحليل، إلا أنه يغفل أن السياسة الخارجية ليست محور اهتمام الأمريكيين عادة؛ فالقضية الحقيقية كانت في جوهرها داخلية — تتعلق بالكرامة، والعدالة، والتمثيل الشعبي الحقيقي.
لقد آمن الناس هناك بأن أصواتهم يمكن أن تغيّر، وأن الكلمة للشعب إذا أراد، فاختاروا ممداني رغم أنف السلطة المتغطرسة، وأثبتوا أن الإرادة الشعبية هي التي تصنع المستقبل، لا توجيهات الزعماء ولا رغبات الأحزاب.
ونحن اليوم، على أبواب انتخابات مجلس النواب، ألا يجدر بنا أن نتأمل هذا الدرس؟
لماذا لا نؤمن بقدرتنا على التغيير؟
لماذا لا نحترم أصواتنا ونحميها؟
سيقول البعض: لقد جرّبنا الانتخابات من قبل، وكانت النتيجة مخيبة، لكن المشكلة لم تكن في التجربة، بل فينا — لأننا لم ندافع عن اختياراتنا، ولم نصن أصواتنا، فلو وقف كل مواطن يحمي صوته، ما ضاعت إرادته، ولا سُرقت أحلامه.
نعم، يمكننا تكرار تجربة نيويورك، بشرط أن نحميها…. كيف؟
بالارتقاء بوعي الناس، وبإيمانهم بأن الوطن يستحق، وبأن المستقبل لا يُمنح بل يُنتزع بالوعي والإرادة.
تجربة نيويورك مبهرة عالميًا، لكنها تترك فينا غصّة وألما… لا المرشحون الحقيقيون لدينا ترشحوا، ولا الشعب الحقيقي سيخرج.. وما درس انتخابات الشيوخ ببعيد عنا.
الدرس واضح يا سادة … فإذا أراد الشعب، لا تقف أمامه حكومة ولا حزب ولا سلطة.
لكن الإرادة لا تولد في صناديق الاقتراع، بل في العقول والضمائر.
تجربة نيويورك تقول لنا بوضوح، لا تنتظر من أحد أن يمنحك حريتك، مارسها.
ولا تشتكِ من نوابٍ لا يمثلونك، ما دمت أنت من سلّمهم صوتك أو صمتك.
فهل نعي الدرس… أم سنكتفي بمشاهدة الآخرين يصنعون المستقبل بالوعي، بينما نصنع لأنفسنا الأعذار؟
لقد آن الأوان أن يكون النواب من أجل الشعب، لا من أجل الحكومة.
فلله الأمر من قبل ومن بعد…
إلى المشتكى.














