في كل مرة تُمد فيها يد السلام إلى إسرائيل، تُقابل بالدم والنار، لا يعرف هؤلاء معنى السلام، ولا يحترمون ميثاقاً أو اتفاقاً، فمنذ قيام هذا الكيان على أنقاض الأرض العربية، وهو يعيش على الخديعة، ويتغذى على المكر، ويمتد بالبقاء عبر الأكاذيب والوعود الكاذبة.
اليهود لا يبرمون اتفاقًا إلا ليكسبوا وقتًا، ولا يدخلون هدنة إلا ليُعدوا لجولة جديدة من العدوان، تاريخهم السياسي والعسكري قائم على قاعدة واحدة: «الخداع أولاً».
من أوسلو إلى وادي عربة، ومن كامب ديفيد إلى اتفاقيات التطبيع الحديثة، لم تكن إسرائيل يوماً شريكًا في سلام حقيقي، بل كانت تخطط وتناور لتثبيت مكاسبها، وتوسيع نفوذها، وتفتيت الصف العربي أكثر فأكثر.
اليوم تتكشف الأوراق من جديد، ما يحدث في جنوب لبنان ليس سوى حلقة جديدة من سياسة الاستفزاز المقنع، وما يجري في غزة هو استمرار لنهج الإبادة الذي تمارسه آلة الاحتلال بلا رحمة، بينما الضفة الغربية تعيش حصارًا ناعمًا تحت حراب المستوطنين وجيش الاحتلال.
أما إعلان الجيش الإسرائيلي أن الحدود مع مصر أصبحت منطقة مغلقة عسكريًا، فهو إشارة مريبة تحمل أكثر من معنى، لماذا الآن؟ ولمصلحة من؟ وماذا يُطبخ في الكواليس؟ هل هي مجرد خطوة احترازية أم تمهيد لمخطط أوسع يستهدف سيناء أو يضغط على القاهرة سياسيًا وأمنيًا؟
إنها لعبة الغدر القديمة ذاتها، إسرائيل لا تتحرك اعتباطًا، ولا تُطلق تصريحًا إلا وهو جزء من مشروع مرسوم بعناية، أهدافها ثابتة منذ البداية، السيطرة، والتمدد، وإضعاف الجوار العربي.. تتغير الوسائل، لكن الغاية لا تتبدل.
يبقى السؤال الموجع، ماذا يريد الإسرائيليون حقًا؟ هل يريدون السلام الذي يتغنون به، أم يسعون لتكريس واقع الاحتلال والتوسع؟ وإلى أين تتجه المنطقة في ظل هذا التصعيد في غزة وجنوب لبنان؟ هل هي مجرد حرب حدود، أم إعادة رسم لخارطة الشرق الأوسط من جديد؟
لقد أثبتت التجارب أن الثقة في عدوٍ غدّار هي أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه العرب، وأن كل لحظة سكون مع هذا الكيان هي استراحة محارب قبل موجة عدوان جديدة.
اليهود – كما قال التاريخ – لا يلتزمون إلا بما يخدم أطماعهم، ولا يتراجعون إلا حين يُرغمهم الصمود العربي على التراجع.
الوعي هو السلاح، والوحدة هي الحصن الأخير.. أما الغدر، فسيبقى طبعًا أصيلًا في عدو لا يعرف سوى لغة القوة، ولا يحترم إلا من يقف له ندًا.
باختصار.. إن من يراهن على أخلاق عدو وُلد من رحم الخيانة، كمن يزرع الورد في صحراء من الدم.. إسرائيل لا تريد سلاماً، بل استسلاماً، ولا تبحث عن حدود، بل عن خريطة جديدة تُعيد رسم المنطقة على مقاس أطماعها.
ومهما طال الغدر، سيبقى الحق العربي شوكة في حلقها، والوعي سلاحاً لا يُكسر، فالتاريخ لا يرحم الغدارين، والشعوب لا تُهزم ما دامت تعرف من هو عدوها الحقيقي.














