في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يقف مشروع التطبيع في موقع لا يُحسد عليه، فبعد أعوام من الدفع المتسارع، ومحاولات ترويجه كـ «مسار لا بديل عنه»، تكشف الأحداث الأخيرة أن هذا المشروع يواجه اليوم أعمق لحظة ارتباك منذ انطلاقه.
وربما للمرة الأولى، يبدو واضحًا أن مسار التطبيع لم يعد قضية «تقدّم تدريجي»، بل ملفا مهددًا بالجمود الطويل، وربما التراجع.
الشارع العربي، الذي ظل لعقود خارج معادلة صنع القرار، عاد ليقف بثقله في لحظة مفصلية.. ما شهدته غزة ترك أثرًا سياسيًا لا يمكن تجاهله.
تحول الرأي العام إلى عامل ضغط حقيقي، يعيد تذكير الجميع بأن حسابات الواقع قد تختلف كثيرًا عن حسابات الغرف المغلقة.
هذا المزاج الشعبي، بتوتره وحدته، دفع ملف التطبيع إلى الزاوية، وجعله خيارًا مكلفًا لا يمكن تبنيه بسهولة أو تمريره بصمت.
وفي المقابل، تواجه إسرائيل نفسها مأزقًا داخليًا لا يقل خطورة عن الضغوط الخارجية.. الانقسام السياسي، وتراجع الثقة بالقيادة، والانتقادات الدولية المتصاعدة، كلها عوامل جعلت منها شريكًا يثير القلق بدلاً من الطمأنينة.
وحتى الدول التي تبنت التطبيع في مراحله الأولى باتت تدرك أن «الاستقرار» الذي كان يُقدَّم كحافز رئيسي لهذا المسار لم يعد مضمونًا كما كان يُروج له.
أما على مستوى الإقليم، فقد تبدلت الأولويات، وتغيرت هندسة النفوذ، من البحر الأحمر إلى ممرات الطاقة، ومن الملف الفلسطيني إلى تنافس القوى الإقليمية الكبرى، تبدو المنطقة وكأنها تعيد ترتيب نفسها وفق قواعد جديدة.
وفي خضم هذا المشهد المزدحم، لم يعد التطبيع مشروعًا قادرًا على فرض نفسه بسهولة، بل أصبح ملفًا رماديًا، تنتظره ظروف مختلفة كي يعود إلى الطاولة.
لا يعني هذا بالضرورة أن مشروع التطبيع انتهى، لكنه بالتأكيد فقد زخمه، ودخل مرحلة تختلف تمامًا عن تلك التي انطلق فيها، مرحلة تتطلب مراجعة عميقة، وقراءة واقعية، وتقديرًا أدق للثمن السياسي قبل أي خطوة جديدة.
إن ما تشهده المنطقة اليوم ليس مجرد تباطؤ في مسار سياسي، بل انعطافه حقيقية في مزاج الشارع، وفي حسابات الدول، وفي صورة إسرائيل نفسها، وإذا كان البعض لا يزال يراهن على عودة عجلة التطبيع إلى الدوران، فعليه أن يدرك أن العودة هذه-إن حدثت- لن تشبه الماضي، ولن تكون بمعزل عن التغيرات العميقة التي فرضها الواقع.
باختصار، التطبيع اليوم ليس في موقع الانطلاق.. بل في مرحلة اختبار، يكشف من يقرأ المشهد بواقعية، ومن لا يزال يعيش داخل معادلات لم تعد موجودة.














