الحديث المثار عن تغليظ العقوبات على مروجي الشائعات وتصريحات الدكتور مصطفي مدبولي رئيس الحكومة حول هذا الموضوع أثار قلق لدي ولدى أغلب الصحفيين، ومبعث القلق أنها أتت بعد تشكيل لجنة لتطوير الإعلام والتي عقدت سلسلة اجتماعات وانتهت مثلما حدث مع الحوار الوطني الذي اختفى أيضا من الساحة.
والقلق أيضا من أن تكون الحرب ضد الشائعات خطوة جديدة لتقييد حرية الرأي والتعبير وحرية الإعلام والصحافة.. فقد تم فرض قيود مازالت موجودة حتى الآن تحت ذريعة الحرب على الإرهاب وهي المعركة التي انتصرت الدولة فيها وساندها الإعلام الرسمي وغير الرسمي ووقف الصحفيين على قلب رجل واحد خلف الدولة في هذه الحرب.
و الحرب على الإرهاب انتهت، ولكن بقيت القيود المفروضة على حرية الصحافة والإعلام وكنا نأمل أن تبادر الحكومة إلى إلغاء هذه القيود وكسر حالة الصوت الواحد في الصحافة والإعلام، وكسر الممارسات الاحتكارية الإعلامية التي نعيشها
بإفساح المجال العام لتعدد الأصوات وإطلاق حرية الصحافة والإعلام في الرقابة والمحاسبة وممارسة حق النقد حتى ولو كان قاسيا.
وتأتي تصريحات رئيس الحكومة المثيرة للقلق في احتفال العالم بيومين هامين هما اليوم العالمي لمكافحة الفساد في 9 ديسمبر وتلاه اليوم العالمي لحقوق الإنسان يوم 10 ديسمبر من كل عام، وهذه الأيام أتت خلف بعضها لأن أعمال حقوق الإنسان وتمكين الناس من ممارسة حقوقهم بكل سهولة ويسر يقلل من خطر الفساد ويساعد على سرعة القضاء عليه.
وكل الأدبيات والدراسات والأبحاث والقرارات الأممية الصادرة حول مكافحة الفساد تؤكد أن الفساد يترعرع ويتمكن من مفصل أي دولة في غياب الإعلام الحر بجميع أنواعه وأشكاله، وأن الفاسدين يعملون على إخراس الصحافة الحرة بحجج منها التطوير ومحاربة الشائعات والسيطرة عليها واحتكارها من أجل ممارسة أعمالهم بدون محاسبة ومراقبة لذا اعتبرت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الإعلام شريك أساسي في محاربته والحكومة المصرية تعلم هذا جيدا.
والتصدي للشائعات ليس بتغليظ العقوبات وأن تكوين مراصد لرصدها أو مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، لكن بإطلاق حرية تداول المعلومات وفق قانون ديمقراطي تكون فيه العلنية هي الأساس والسرية هي الاستثناء وأن تكون جميع وثائق وتقارير الحكومة والأجهزة التابعة لها ومنها أجهزة الرقابة مطروحة على الرأي العام وأن يتم إلغاء أي قوانين تحصن أشخاص محددين من المحاسبة والنقد وأن يكون هناك قانون واضح لمنع تضارب المصالح يسري على جميع المسئولين بلا استثناء ووقف توريث الوظائف واعتماد مبدأ الكفاءة في التعيين في جميع الوظائف مهما كانت.
التصدي للشائعات لا يأتي إلا بتطبيق مبادئ النزاهة والشفافية والحكم الرشيد وهي مبادئ ملزمة لأي دولة إن أرادت أن تجذب مزيد من الاستثمارات لديها أي المصالح الاقتصادية تقتضي الالتزام بهذه المعايير.
التصدي للشائعات يلزم الحكومة بالقضاء على البطالة وأن تلزم الجميع بأداء أعمالهم لأن الشائعات تنتشر في المجتمعات التي لا تعمل ولا تنتج، فالعمل والأجر المناسب سلاحين مهمين في وئد الشائعات حتى لو كانت صادرة لقياس الرأي العام.
روشتة التصدي للشائعات واضحة وجلية ولا تحتاج إلى كل هذه التكاليف والعقوبات واللجان، ولكنها تحتاج إلى كلمة من 5 حروف وهي «الحرية».













