لم يعد المواطن إنسانًا كامل المواصفات، بل نسخة تجريبية تخضع للتحديث المستمر، وكلما تعطّل النظام قيل له بهدوء: «المشكلة عندك.. جرب إعادة التشغيل».
المواطن هنا ليس طرفًا في المعادلة، هو الضحية الرسمية التي تُعلّق عليها أخطاء السياسات، وتُختبر عليها نظريات الاقتصاد، وتُجرب فوق أعصابه خطط الإصلاح طويلة الأمد.. قصيرة الصبر.
كل صباح يستيقظ المواطن على خبر مفرح: رفع جديد، قرار جريء، إجراء استثنائي، ثم يُختم البيان بجملة مطمئنة: «والمواطن سيتحمل المرحلة».
الغريب أن هذه المرحلة لا تنتهي أبدًا، وكأن المواطن يعيش داخل نفق زمني بلا مخرج، يدخل مرحلة انتقالية شابًا.. ويخرج منها متقاعدًا إن خرج.
المسؤول يتحدث عن الأرقام، والمواطن يتحدث عن الفواتير، المسؤول يناقش المؤشرات، والمواطن يحسب الأيام المتبقية حتى آخر الشهر.
المسؤول يرى النمو، والمواطن يرى الأسعار تنمو أسرع منه، وإذا سأل المواطن: ليه؟ قيل له: «لا وقت للأسئلة… نحن نبني المستقبل»، وإذا اشتكى، قيل له: «كن إيجابيًا».
وإذا صمت، قيل له: «الصمت علامة رضا».. أما إذا انفجر؟ فهو بالطبع.. عدو الاستقرار.
المواطن مطالب بأن يفهم كل شيء، ويتحمل كل شيء، ويصدق كل شيء، لكنه غير مخوّل بأن يطالب بأي شيء.
هو ماكينة صبر تعمل 24 ساعة، بدون صيانة، وبدون ضمان، وممنوع إطفاؤها تحت أي ظرف.
وفي كل مرة تتعثر فيها السياسات، لا تُراجع، بل يُعاد تعريف المواطن: مرة غير واعٍ، مرة مستهلك سيئ، مرة سبب الأزمة، ومرة ضحية جانبية لا داعي للوقوف عندها.
وفي النهاية، لا أحد يسأل السؤال الحقيقي: هل نُصلح السياسات؟ أم نواصل تحديث المواطن حتى يتأقلم.. أو يتعطّل نهائيًا؟
باختصار: نعتذر عن سوء الخدمة، المواطن ما زال قيد التجربة، وسيتم إعلامه بالنتائج.. إذا بقي على قيد الاحتمال.














