عاشت أوروبا سنوات طويلة في سبات عميق تعتمد على الولايات المتحدة في كل شيء دون أن تنتبه إلى متغيرات السياسة التي قد تطيح حتى بالثوابت.. تصورت القارة العجوز أن ماما أمريكا ستكون الراعي الرسمي مقابل أن تخضع لها القارة سياسيا وتكون تابعا لها في كل مواقفها.
لكن كل هذا تغير مع بداية تولى ترامب فترة رئاسته الثانية.. تعرضت أوروبا لصدمات بدأت بخروج المرأة الحديدية المخضرمة «ميركل» التي كانت تقود القارة بحنكة وخبرة كبيرة، ثم توالت الضربات بالحرب على أوكرانيا حتى وجدت أوروبا نفسها في مواجهة مباشرة مع روسيا.
وأعقب ذلك فوز ترامب الذي رفع يده عن أوروبا في سابقة لم تحدث في التاريخ الحديث، طالب ترامب أوروبا بزيادة ميزانية الإنفاق العسكري كشرط لاستمرار حلف الناتو، وقال من غير المقبول أن تقوم الولايات المتحدة وحدها بزيادة الإنفاق وتتولى حماية أوروبا بدون مقابل.
وبدأت أوروبا ترضخ وتزيد من ميزانية الانفاق العسكري، ثم بدأ ترامب يلاعب أوروبا بالرسوم الجمركية مما زاد من حالة الاحتقان، ثم جاءت التطورات الأخيرة في أعقاب إعلان ترامب رغبته في الاستيلاء على جزيرة جرينلاند.. هنا بدأت القارة العجوز تنتفض وترفع صوتها وتقول لا لترامب.. والأهم من ذلك هو مواجهته وانتقاده بعبارات حادة وقاسية.
فقد خرج علينا الرئيس إيمانويل ماكرون بتصريحات ناريه منذ أيام ينتقد فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.. أعرب ماكرون عن أسفه لتخلي الولايات المتحدة «تدريجيا» عن حلفائها وتجاهلها للقواعد الدولية، متحدثا عن «عدوانية استعمارية جديدة» في العلاقات الدبلوماسية، وهذه لغة جديدة من قادة أوروبا لم نكن نسمع عنها من قبل.
فقد تعودنا على أن نخرج نحن العرب لنصرخ في وجه أمريكا ونهاجم سياستها الاستعمارية وضربها بالقانون الدولي عرض الحائط.. أما أن تخرج مثل هذه العبارات من رئيس أحد قادة أوروبا- بل أهم قائد في القارة العجوز- في الوقت الحالي فإن هذا أمر لم يكن معهودا.
والغريب أن ماكرون تحدث بخطاب مشابه تماما للخطاب الدائم لقادة دول العالم الثالث.. فقد انتقد المؤسسات المتعددة الأطراف وقال إنها تعمل بفعالية أقل فأقل، وأضاف «نحن نعيش في عالم تهيمن عليه القوى العظمى، مع وجود إغراء حقيقي لتقسيم العالم».
هكذا تحدث رئيس فرنسا عن عالم تهيمن عليه القوى العظمى ويقصد هنا الولايات المتحدة.. تحدث ماكرون وكأنه رئيس دولة من أدغال أفريقيا يشتكي من ظلم وقهر القوى الكبرى ونزعتها الاستعمارية في الاستيلاء على خيرات وثروات البلاد الضعيفة.
استمر ماكرون في خطابه الذي يحمل أقصى درجات الضعف والهوان، ودعا مجموعة الدول السبع و«القوى الناشئة الكبرى» إلى إصلاح الأمم المتحدة وإدارة النظام الدولي.. هكذا تحدث ماكرون.. وهكذا بدت أوروبا.. قارة تتبنى خطاب الدول التي تعاني من ظلم النظام العالمي الجديد.














