في قصتي مع أهل القرآن، وعلى مدى شهر رمضان المبارك، أسير في رحلة روحية مع من شكّلوا وجداني القرآني؛ بعضهم علّمني وحفّظني ورعاني قرآنياً، وبعضهم عرفتهم من أصواتهم، فارتبطت بأدائهم، ونغمهم، وخشوعهم، وروحانيتهم، دون أن ألتقيهم وجهًا لوجه.
هي رحلة أكتبها على هدي القرآن، وأؤمن أن لكل إنسان قصته الخاصة مع أهل القرآن الكريم.
ولأن هذه السلسلة مرتبطة بشهر رمضان المعظّم، كان لا بد أن أبدأ بقارئٍ ترك بصمة لا تُمحى في وجدان كل من استمع إليه، وارتبط اسمه وصداه بروحانية الشهر الفضيل: فضيلة القارئ الشيخ محمد رفعت.
لي مع الشيخ محمد رفعت قصة أعدّها من القصص الملهمة.
كنت طالبًا في المرحلة الثانوية، أسمع تلاوته أحيانًا سماعًا عابرًا، دون وعيٍ كامل بسر هذا الصوت، لكنني كنت أرى وأسمع إعجابًا خاصًا من أبي وجدي وأقاربي وأهل بيتي ومن حولي، إشادة تتجاوز الوصف، وتضع هذا الرجل في مكانة استثنائية.
كنت أتساءل في داخلي.. كيف يحدث كل هذا التأثير، مع أن تسجيلاته الإذاعية – كما هو معلوم – ليست نقية، يشوبها ما يشوب تسجيلات ذلك الزمن من «غلوشة» وضعف جودة مقارنة بتسجيلات اليوم؟
ذات يوم قلت لنفسي.. لماذا لا أُعطي الشيخ محمد رفعت فرصة حقيقية؟
لماذا لا أُنصت بوعي وتركيز، علّي أكتشف ما اكتشفه من سبقوني؟
وكان من حسن حظي أن تكون هذه الفرصة مع تلاوته لسورة مريم.
أتذكر – على قدر ما تسعفني الذاكرة – أن التلاوة كانت في حدود الساعة الثامنة مساءً، كان لي راديو صغير أستأثر به أثناء المذاكرة، في تلك الليلة، لم أكن أذاكر، ولم أكن أفكر في مذكرة أو امتحان.
كنت أستمع… فقط.
استمعت بإنصات حقيقي، فإذا بي أجد نفسي كأنني أُحلّق في السماء، أسبح مع السحاب في ملكوت الله.
قراءة الشيخ محمد رفعت ليست مجرد أداء صوتي، بل حالة روحية كاملة؛ قراءة تجعلك تنفض يديك من الدنيا، وتصفو روحك، ويخلص قلبك، ويبتعد عقلك عن شواغل الحياة.
في تلك اللحظة أدركت المعنى العميق لقوله تعالى… ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، أدركت أن الإنصات هو لبّ التجربة، وسرّ الأثر.
حين أنصتُّ بحق، جاء الحب، وجاء التعلّق، وجاء الهيام بقارئٍ لا يمكن وضعه في أي تصنيف.
الشيخ محمد رفعت لا يُقارن، ولا يُدرج ضمن القوائم، لأنه – ببساطة – فوق التصنيفات.
أتذكر مقولة الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي، حين كان يصف القرّاء واحدًا واحدًا، فلما جاء إلى الشيخ محمد رفعت قال ما معناه.. كل ما نقوله عن غيره.. هو كله فيه.
كان الشيخ محمد رفعت يعيش القرآن؛ يعيش حلاوته، وروحانيته، ومقاصده، ولذلك لم يكن يرتقي بنفسه فقط، بل كان يرتقي بمستمعيه، يرفعهم إلى سماوات من الصفاء والسكينة لا مثيل لها.
وإذا ذُكر شهر رمضان في مصر، ذُكر معه صوت الشيخ محمد رفعت.
هو مرتبط بكل وقت، لكنه في رمضان أوثق ارتباطًا، لأن رمضان شهر ترقّي الروح، والشيخ محمد رفعت بصوته وأدائه كان يصعد بالإنسان إلى أعلى مراتب الصفاء.
ذلك الارتباط بين رمضان وصوت الشيخ رفعت لم يكن مصادفة، بل كان طبيعيًا، شرعيًا، روحيًا، يليق بالزمان وبالصوت وبالقرآن.
وبعدها توالت رحلتي مع تسجيلاته، ومع هذا الصوت الفريد الذي لم يستطع أحد أن يبلغه.
قليلون حاولوا الاقتراب، وبعضهم نجح في محاكاة آية أو آيتين، لكن الشيخ محمد رفعت ظل في مقامٍ لم يُدرك.
وأقرب الأصوات إليه – في رأيي – كان صوت الشيخ أبو العنين شعيشع، بما امتلكه من حنجرة ذهبية وقدرة فريدة على محاكاة بعض ما فُقد من تسجيلات الشيخ رفعت، ومع ذلك يبقى الأصل أصلًا، والقمّة قمّة.
رحم الله الشيخ محمد رفعت، ورحم قرّاءنا الكبار العظام، الذين شكّلوا وجدان أمة، وربّوا قلوبًا قبل أن يُمتعوا آذانًا.
وإلى الغد،
في حلقة جديدة من قصتي مع أهل القرآن.












