ليست هذه قصة فردية عابرة، بل مرآة موجعة تكشف خللًا عميقًا في منظومة القيم، حين تُترك العقول العلمية في الشوارع، بينما تُفتح خزائن الدولة لغيرهم بلا حساب.
المهندسة ليلى إبراهيم حسن، المتخصصة في الطاقة الذرية، قضت عمرها في خدمة وطنها داخل هيئة علمية سيادية، ثم انتهى بها المطاف مطرودة من مسكنها، جالسة على الرصيف، تُعامل كأنها عبء لا قيمة له، لا كعالِمة أفنت عمرها في خدمة مصر.
في المقابل، نرى فئات أخرى — فنانات وراقصات — يحظين برعاية كاملة، وعلاج على نفقة الدولة، وتكريم واحتفاء، بينما تُترك عالِمة مصرية وحيدة تواجه الشارع، والبرد، والخذلان.
ليس هكذا تُبنى الأوطان.
وليس هكذا تنهض الدول.
وليس هكذا يُكافأ الإخلاص.
وفي حكاية قصة الطرد… كما روتها صاحبتها حيث تقول المهندسة ليلى، البالغة من العمر 65 عامًا، إنها كانت تقيم في شقة إيجار بمنطقة كفر طهرمس بمحافظة الجيزة منذ سبع سنوات، ملتزمة بكافة بنود التعاقد، ومع كل تجديد كانت تقبل الزيادة القانونية.
لكن مع موجة الغلاء وارتفاع الإيجارات، طُلب منها فجأة رفع الإيجار من 3000 جنيه إلى 7000 جنيه، وهو مبلغ يفوق كامل معاشها.
وحين اعترضت، لم تُمنح مهلة، ولم يُراعَ سنها أو وضعها الصحي، بل تم اقتحام الشقة بالقوة، والاعتداء عليها، وإلقاؤها خارج المنزل، لتقضي شهورًا في الشارع، مصابة في قدمها، بلا مأوى.
ثمانية أشهر كاملة، عالِمة مصرية تنام على الأرض بجوار مسجد، تعيش على ستر الله ومساعدة أهل الخير، رافضة التسول، متمسكة بكرامتها.
تفاعل شعبي… واستجابة رسمية
القصة فجّرت موجة تعاطف واسعة، حيث عرض عشرات المصريين استضافتها، أو توفير مسكن لها، أو تقديم دعم مالي شهري، في مشهد أعاد الثقة في معدن هذا الشعب.
ومع تصاعد التفاعل، جاء التدخل الرسمي، حيث — وبتكليف مباشر من وزارة التضامن الاجتماعي — تحرك فريق التدخل السريع، وتم الوصول إلى المهندسة ليلى في أول أيام الشهر الكريم.
وأعلنت مايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي، توفير مأوى كريم عاجل، مع متابعة حالتها الصحية والنفسية، وتقديم كافة أوجه الرعاية اللازمة، لتبدأ المهندسة ليلى فصلًا جديدًا من حياتها، يليق بتاريخها وعلمها.
السؤال الذي لا يجب أن يُنسى
نُقدّر سرعة الاستجابة، ونُثمّن التدخل الإنساني، لكن السؤال الأخطر يظل قائمًا:
كم «ليلى» أخرى لا نعرفها؟
وكم عالِمًا يُهان في صمت؟
ومتى تصبح الكفاءة والعلم قيمة عليا في هذا الوطن؟
القضية ليست مأوى، بل منظومة.
وليست حالة فردية، بل نهج يحتاج إلى مراجعة شاملة من القمة إلى القاعدة.
تحية للضمير الحي، وتحية لكل مصري لم يفقد إنسانيته، وللمهندسة ليلى… كل التمنيات بحياة آمنة كريمة، تليق بعلمها، وعمرها، ووطنها.














