صندوق الذكريات بداخلنا يحمل آلاما وأوجاعنا لا يعلم مرارتها ولا قسوتها إلا الله سبحانه تعالى جل في علاه، نحتفظ به في مكان معتم بداخلنا، يحمل نجاحتنا وخيباتنا واخفاقاتنا، والأهم أنه يحمل بداخله حزنا لا يعلم مرارته إلا الله عن مرارة الفقد ولوع الفراق وآلام الذكرى التي لا تفارقنا في الإفاقة والمنام.
نعم من منا لم يودع عزيزاً.. من منا لم يُقطع جزء من قلبه أو يقصم ظهره، أو تتوالى على جسده سكينة القطاعات الحادة، لتأخذ منه جزءاً تلو الأخر دون رحمة أو شفقة، لكننا لا نملك إلا تجرع كأس المرارة راضين قانعين بفواجع الأيام مؤمنين بقضاء الله وقدره.
في المكان المعتم داخل الصندوق الأسود نغمض أعيننا ليجوب خاطرنا بين أروقته عبر عجلة الزمن لنسمع صوت الأب ونصائحه وضحكاته، وحنين الأم وصوتها الملائكي وطيبتها المنقطعة النظير، ولهفة الأشقاء الثلاثة توأم الروح وشريط الذكريات، ودفء العائلة الكبرى الأجداد والجدات والأعمام والعمات والأخوال والخالات والأصدقاء.
ما أقصاه من عالم فاني لا ندرك عدم جدواه إلا بعد فوات الأوان، عندما يشد الحنين بداخلنا ليثقل أقدامنا ويشتت عقولنا ويسحبنا بقوة إلى باطن الأرض.
في رمضان من كل عام تتكالب على صدورنا الذكريات ويفتح الصندوق أبوابه مهاجمنا بشدة بذكرياته، ضاغطاً بقوة على الجروح الملتهبة الكامنة بداخلنا ليزيدها التهابا ومرارة، ويحول أيام الخير إلى كابوس لا تدركنا من لوعته إلا رحمة الله والتمسك بأوامره صبراً على البلاء واحتسابا لوجه الكريم، واستخدام السلاح الأوحد والأقوى لمواجهة تلك الموجة العاتية بالقرآن والصلاة.
عداد الفقدان يرتفع كل رمضان عن سابقه، وتأتي الأيام الأولى من الشهر المبارك، أقسى من العام كله، ليبقى المقعد الجديد الخالي الأكثر إيلاماً، وتزداد لوحة الفراق مقعداً جديداً لتتناثر المقاعد الخاوية حول المائدة المستديرة عن يميننا ويسارنا، ويترنح مقعدي إيذانا برحيل مفاجئ.
رحم الله قلوباً أسعدتنا.. رحلت عنا دون وداع، وسلبت روح الحياة من قلوبنا، وعشنا من بعدها أجساد بلا حياة، أبداً لن ننساكم وسوف تبقوا ما حيينا في صلاتنا ودعائنا ونبراساً لنا في الحياة.. نسأل الله لكم الرحمة والغفران، ولنا الثبات إلى أن نلقاكم في جنة الخلد بإذن الله.














