في رحلتي مع أهل القرآن الكريم خلال شهر رمضان المبارك، كانت لي وقفة خاصة مع القارئ الباكي الخاشع الشيخ محمد صديق المنشاوي؛ وقفة لا تقوم على الإعجاب الصوتي، بقدر ما تقوم على الشعور بأن هذا الرجل كان يقرأ القرآن من قلبه قبل أن ينطق به لسانه.
أعرف أن قرّاء القرآن جميعًا يصلون إلينا عبر الأذن، لكنني على يقين أن الشيخ محمد صديق المنشاوي قد مرّ إليّ عبر القلب مباشرة.
قراءته قراءة قلبية خالصة، محمّلة بإحساس عميق بالآيات، وبخشية صادقة، وبشعور رباني يلامس شغاف القلوب دون استئذان.
عندما كان الشيخ المنشاوي يقرأ، كنت أشعر أنه لا يتلو الكلمات فحسب، بل يعيش المعنى، ويتلبّس بالآية، ويحمّل صوته ما لا تحتمله الحناجر العادية من صدق واستشعار.
كان قارئًا فاهمًا، متدبّرًا، حاضر القلب، لا يقرأ قراءة عابرة، ولا أداءً يستهدف انتزاع الآهات.
كنت أستمع إليه في كل وقت وحين:أثناء المذاكرة، وفي القراءة، وفي العمل، وأثناء القيادة، وفي لحظات الخلوة.
هو صوت لا تخطئه أذن، بل لا يخطئه قلب.
له طريق مفتوح إلى القلوب جميعها؛ قلوب المحبين للقرآن، والمستشعرين لآيات الذكر الحكيم، والباحثين عن الصدق قبل الطرب.
وتتجلّى عظمة الشيخ محمد صديق المنشاوي على نحو خاص حين نسمعه في مواضع بعينها من القرآن؛ حين يقرأ أواخر سورة البقرة، تشعر أن الآيات تُنزَل من جديد على القلب.
وحين يتلو من سورة العلق، أو يقف عند: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾، وقبلها ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، تدرك أن الصوت لا يؤدي القسم، بل يعيشه.
وحين يقرأ من سورة النجم، أو من قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، أو في أواخر سورة القمر، وأوائل سورة الرحمن، تشعر أن الآيات تتحرّك في الوجدان، وأن القلب يسبق الأذن في التفاعل.
له مميزات كثيرة لا يمكن حصرها؛ لأن الشيخ المنشاوي – كما هو الحال مع الشيخ محمد رفعت – كل قراءاته عبقرية.
لا توجد عنده قراءة عادية وأخرى مميّزة؛ كلها على مستوى واحد من الصدق والإحساس والحضور.
ولعلّ من أعظم ما ميّز الشيخ محمد صديق المنشاوي، أنه أثار المياه الراكدة بين أهل التفسير والتحليل والقراءة، لا بالصخب، بل بالفهم.
وتظل قصته الشهيرة مع قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ شاهدًا على أنه لم يكن قارئ صوت، بل قارئ معنى، يفهم ما يقرأ، ويترجم الفهم إحساسًا وأداءً.
العجيب أن الشيخ محمد صديق المنشاوي – عليه رحمة الله – توفي بعد ولادتي بعامين فقط، ومع ذلك رافقني عمرًا كاملًا.
سمعته ذات مرة في دعاء مسجّل يقول: «واجعل لي لسان صدق في الآخرين»، وأحسب – ومعي يحسب الملايين – أن الله قد استجاب لهذا الدعاء، وجعل له لسان صدق ممتدًا إلى يوم الدين.
يسمعه الكبير والصغير، ويقلّده الشيوخ والشباب، ويستحضره كل من أراد أن يتعلّم الصدق قبل الأداء.
حتى كثير من القرّاء الصاعدين اليوم، حين يبحثون عن طريق إلى قلوب الناس، يلجأون إلى مدرسة المنشاوي، لأنها مدرسة الإحساس قبل التقنية.
رحم الله الشيخ محمد صديق المنشاوي، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قرأ في ميزان حسناته، وما نسمع في ميزان حسناتنا إلى يوم القيامة.
وإلى الغد، في حلقة جديدة، من قصتي مع أهل القرآن.














