في لحظات التحول الكبرى، لا تُهدم الأفكار غالبًا بالمعاول، بل تُفكك بالتأويلات الناعمة، وتُفرَّغ من مضمونها عبر خطاب يبدو إنسانيًا في ظاهره، لكنه خطير في مآلاته.
من هذا المنظور، تكتسب التصريحات الأخيرة للإعلامي محمد الباز، التي أطلقها من خلال برنامج يُقدَّم بوصفه «دينيًا» خلال شهر رمضان، أهمية تتجاوز حدود الجدل العابر، لتلامس صميم العلاقة بين الدين، والمجتمع، والدولة، والقانون.
الإشكالية لا تنبع فقط مما قيل، بل من المجال الذي قيل فيه، فحين يتحدث إعلامي غير متخصص في أصول الفقه أو علم العقيدة، من منصة دينية، وفي شهر يُنظر إليه بوصفه موسمًا للضبط القيمي والروحي، فإن كلماته لا تُستقبل بوصفها رأيًا شخصيًا، بل باعتبارها خطابًا موجهًا للوعي العام، قابلًا للتأثير والتأويل، وربما التوظيف.
وفي محاولة منه لخلط المفاهيم بين «أمة الدعوة» و«أمة الإجابة» استند الخطاب إلى تقسيم معروف في التراث الإسلامي بين هذين المفهومين «أمة الدعوة» (وهم جميع البشر) و«أمة الإجابة» (وهم من آمنوا واتبعوا).
غير أن الإشكال الجوهري بدأ حين تم إلغاء الفاصل العقدي بين المفهومين، وصولًا إلى القول إن من آمن ومن لم يؤمن «جميعهم من أمة محمد»، وأنهم جميعًا «في كنفه».
هذا الطرح، وإن استند ظاهريًا إلى عالمية الرسالة، إلا أنه ينتهي عمليًا إلى تسوية عقدية تلغي معنى الإيمان والاتباع، وتحوّل الرسالة من التزام محدد إلى مظلة رمزية عامة، بلا أثر تشريعي أو أخلاقي ملزم.
لم تكن الآية القرآنية في سورة آل عمران «كنتم خير أمة أخرجت للناس» يومًا توصيفًا عرقيًا أو تفضيلًا بيولوجيًا، بل تكليفًا أخلاقيًا مشروطًا بثلاثة أركان واضحة هي.. الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، والإيمان بالله.
اقتطاع الآية من سياقها، وإعادة تفسيرها باعتبارها مجرد «قيمة إنسانية واسعة»، هو تفريغ للنص من بنيته التكليفية، وتحويله إلى شعار أخلاقي عام لا يترتب عليه التزام، ولا يفرض مسؤولية.
وهنا يتحول الدين من منظومة قيم وقواعد، إلى خطاب وجداني فضفاض، لا يختلف كثيرًا عن أي فلسفة أخلاقية وضعية.
أخطر ما ورد في الخطاب هو القول بأن الإنسان «لو عبد الله بأي شكل يروق له، فلا أحد يستطيع إخراجه من رحمة الله».
هذه العبارة، في ظاهرها رحمة، لكنها في حقيقتها نسف لمفهوم الدين نفسه.
فالدين – في التصور الإسلامي – ليس تجربة ذاتية مفتوحة بلا ضوابط، بل.. وحيٌ مُبلَّغ، وشريعةٌ محددة ومنهجٌ له أركان وشروط.
والقول بأن العبادة تُترك لذوق الفرد، يعني إلغاء معنى، الحلال والحرام، السنة والبدعة، والهداية والضلال.
وهو طرح، لو أُخذ إلى منتهاه، يُسقط أي أساس قانوني أو أخلاقي مستمد من المرجعية الدينية.
من منظور قانوني، فإن هذا النوع من الخطاب يطرح إشكالية دقيقة، فالدستور المصري – كغيره من الدساتير في الدول ذات المرجعية الدينية – ينص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.
فإذا تم تفريغ الشريعة من مضمونها، وتحويلها إلى «تجربة روحية شخصية»، فإننا نكون أمام تناقض بنيوي بين الخطاب الثقافي السائد والأساس الدستوري للدولة.
بعبارة أخرى: لا يمكن المطالبة بدولة قانون تستند – ولو جزئيًا – إلى مرجعية دينية، ثم الترويج في المجال العام لخطاب يُسقط أي إلزام ناتج عن هذه المرجعية.
لا يمكن قراءة هذه التصريحات بمعزل عن سياق أوسع، يتم فيه، التهوين من مفاهيم الضبط الأخلاقي، التشكيك في أنماط التربية التقليدية، والترويج لرموز فنية وسلوكية تُقدَّم بوصفها «النموذج العصري» للمواطن، مثل محمد رمضان وأحمد العوضي
المسألة هنا ليست رفض الفن أو التنوع، بل فرض نموذج واحد للقبول المجتمعي، نموذج منزوع المرجعية، لا يحتكم إلا لمنطق «ما يروق» و«ما لا يزعج».
فالتجديد الديني، كما فهمه العلماء عبر العصور، كان إحياءً للمقاصد، وتنقيةً للفهم، وربطًا للنص بالواقع.
أما ما نحن بصدده، فهو تذويب للحدود، لا تجديد لها.
وشتان بين من يجتهد داخل الإطار، ومن يهدم الإطار ذاته ثم يطالبنا بالاحتفاء بـ«الإنسانية».
القضية هنا ليست محاكمة نيات، ولا مصادرة آراء، بل مساءلة خطاب يُلقى على جمهور واسع، في سياق ديني حساس، وبمنطق يوحي باليقين، بينما يفتقر إلى الضبط العلمي.
الإسلام، في جوهره، دين رحمة، نعم، لكنه أيضًا دين تشريع، ومنهج، وحدود.
وكل محاولة للفصل بين الرحمة والمنهج، تنتهي – شاء أصحابها أم أبوا – إلى إسلام بلا ملامح، ومجتمع بلا بوصلة.
وذلك، في ميزان الفكر والقانون، ليس تقدمًا… بل فراغ.














