بعد سنواتي الأولى في التعليم الابتدائي العام، والتي استمرت حتى الصف الخامس الابتدائي في مدرسة القرية، كانت الحياة تُعدّ لي انتقالًا مهمًا، لم أكن أدرك وقتها عمقه ولا أثره البعيد.
في تلك الفترة، كان الحاج أحمد الشامي – عليه رحمة الله – قد شرع في بناء معهد أزهري يبدأ من الصفوف الأولى، الابتدائية والإعدادية.
وتوسّم شيخ المعهد الشيخ محمد سليمان، ومعه الحاج أحمد، خيرًا في أبي وجدي، باعتبارنا بيت علم وبيت قرآن، فقاموا بزيارتنا في المنزل، يعرضون على أبي إلحاق أبنائه بالتعليم الأزهري.
كنت وقتها في الصف الخامس الابتدائي، في نحو الحادية عشرة من عمري.
وبعد تفكير، حسم أبي أمره … الالتحاق بالأزهر الشريف.
تقدّمت بأوراقي لأداء امتحان تقييم في معهد طوخ، لتحديد ما إذا كان مستواي العلمي يؤهلني لتجاوز الصف السادس الابتدائي والالتحاق مباشرة بالصف الأول الإعدادي الأزهري.
جُمِع عشرات الطلاب، وتم تقييمهم في اللغة العربية، والحساب، والمعلومات العامة، وبعض سور القرآن الكريم.
وكان من فضل الله – ثم من بركة التأسيس السليم في كتاب الشيخ سيد علي – أن اجتزت هذا التقييم بتفوّق، وتم إلحاقي بالصف الأول الإعدادي الأزهري مباشرة.
لكن قبل دخول هذا الامتحان، وقبل الالتحاق بالمعهد، قال أبي جملته الحاسمة.. «من اليوم ستذهب إلى كتاب الشيخ سلامة علي شريف».
وهنا تبدأ قصتي مع الشيخ سلامة، وهو موضوع هذه الحلقة.
كان كتاب الشيخ سلامة – رحمه الله – مستوى أعلى من كتاب الشيخ سيد علي؛
كتاب مخصّص لتحفيظ القرآن الكريم كاملًا، وكان قد سبقني إليه ابن عم لي، الشيخ سامي، الذي أصبح فيما بعد عميدًا لكلية القرآن الكريم.
ذهبت إلى كتاب الشيخ سلامة، وفي فترة قصيرة جدًا، وقبل أداء امتحان التقييم، كنت قد حفظت جزء «عمّ» تقريبًا حتى سورة النازعات.
كان ذلك في زمن قياسي، أدهش الشيخ سلامة، الذي رأى فيّ شغفًا واستعدادًا حقيقيًا للحفظ.
الحمد لله، كنت جيدًا في القراءة، ومستعدًا نفسيًا وذهنيًا لهذا الطريق.
استمررت مع الشيخ سلامة طوال الصيف، ثم سنوات متتالية، أذهب إلى المعهد صباحًا، وإلى الكتّاب بعد الظهر.
وكان كتابه بقرية منشية العمار نموذجًا حقيقيًا لتحفيظ القرآن الكريم.
الشيخ سلامة – عليه رحمة الله – كان صاحب خبرة طويلة، متقنًا للحفظ والقراءة، صليدًا في الأداء، مقرئًا يعرف المقامات دون تكلّف، ويقرأ في العزاءات على قلّتها، لأنه كان يحب الكتّاب حبًا جمًا، ويعطيه كل وقته واهتمامه.
من الناحية الشخصية، كان الشيخ سلامة بشوشًا، لكنه حازم.
يجمع بين الحنان والحزم، وبين الشدة واللين، فلا يترك طالبًا يخرج من تحت يده إلا وهو يقرأ قراءة صحيحة.
كان يمتلك أذنًا سمعية شديدة الحساسية؛ يستطيع أن يُنصت لثلاثة أو أربعة طلاب يقرأون غيبًا في الوقت نفسه، ويكشف أخطاءهم جميعًا.
وكان تربويًا بحق، يعرف قدرات طلابه، ويفهم طبائعهم، ويتعامل مع كل واحد بما يناسبه.
مررت على مقرئين كثيرين بعده، لكنني لم أجد متقنًا للتحفيظ والقراءة مثله.
استمررت معه قرابة أربع سنوات، حفظت خلالها القرآن الكريم كاملًا.
ورغم شقاوة الطفولة – وكنت منها نصيبًا وافرًا – كان الشيخ سلامة صبورًا عليّ صبر الأب، يعلم أن الشغف موجود، وأن الشقاوة عابرة.
أتذكر أنني، في سبعينيات القرن الماضي، شاركت في مسابقة لحفظة القرآن الكريم، مع مجموعة من زملائنا في الكتّاب.
وبفضل الله، حققت مركزًا متقدمًا، وفزت بمبلغ من المال لا أذكره بدقة، لكنني أذكر المشهد.
بعد المسابقة، جمعنا الشيخ سلامة، ونحن أطفال لا نُحسن التصرّف في المال، وقال بحنو الأب … «رضا فاز بمبلغ كذا، وفلان فاز بمبلغ كذا…» ثم قال، كم لسيدنا وكم لك، قلت له يومًا – من شدة حبي وامتناني –: يا مولاي يا سيدنا، أنا متنازل عن الفلوس كلها. فقال لي بحنو الأب … لا يا ابني، ما ينفعش. ولا أتذكر على وجه الدقة على كم اتفقنا، لكنه أخذ جزءًا، وأعطاني يومها عشرة أو أحد عشر جنيهًا – على ما أذكر – وكان هذا المبلغ في سبعينيات القرن الماضي مبلغًا معتبرًا.
ذهبتُ بهذه النقود إلى أبي – رحمه الله – وأعطيتها له، وبقيتُ مع الشيخ سلامة سنوات طويلة، حتى أتممت حفظ القرآن الكريم.
وكانت رحلة الحفظ مليئة بالمدّ والجزر، وبشقاوة طفل ينتقل يوميًا من قرية إلى قرية مع أخيه الصغير، يعتريه ما يعتري الأطفال من أخطاء ومخالفات، بعضها جسيم، لكن الحمد لله، كانت العناية الإلهية حاضرة حتى النهاية.
وحين وصلتُ إلى إتمام سورة البقرة، أبقى الشيخ الآيات الأخيرة ليوم الختم. وفي يوم التسميع الأخير، قرأتُ الآيات كلها، فقال لي معاتبًا: لماذا لم تنتظر حتى نقرأها سويًا وندعو بدعاء الختم؟ فقلت له: الحمد لله، وصلتُ إلى نهاية الحفظ، وأردت أن أختم اليوم وأحتفل.
وكان يومًا مشهودًا في حياتي، أن أختم القرآن الكريم على يد الشيخ سلامة علي الشريف، الذي خرج مئات من الطلاب الذين أصبحوا أساتذة جامعات، وأطباء، ومهندسين، وعلماء، يشهد لهم الناس بالكفاءة والعلم، ومن بينهم هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه، كاتب هذه السطور.
فقد كان الشيخ سلامة على الشريف من منشأة العمار يعلّمنا قبل الحفظ معنى الأمانة، وقبل التلاوة معنى المسؤولية.
رحم الله الشيخ سلامة علي شريف، الذي علّمني الحفظ بالحزم، وزرع فيّ الصبر والانضباط، وجعل القرآن عادة يومية لا تنقطع.
وإلى حلقة جديدة،
من قصتي مع أهل القرآن.














