وبينما تُكتب تلك السطور تستضيف مدينة جينيف السويسرية جولة جديدة من المفاوضات ما بين واشنطن وطهران؛ حيث من المفترض أن يكون تم اللقاء ما بين كل مستشار الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لمناقشة مقترح تفصيلي لاتفاق نووي صاغته إيران.
وكعادة الجولات السابقة عُرفت تلك الجولة على أنها مفاوضات الفرصة الأخيرة، لأن ما سوف تنتهي إليه تلك الجولة من نتائج يحدد بشكل كبير قرار الرئيس ترامب إما بمواصلة التفاوض أو بشن حملة عسكرية ضد إيران.
وكما هو النهج الأمريكي أيضا؛ استبقت واشنطن تلك الجولة برفع مستوى التحشيد العسكري في المنطقة، وكذلك حدة الخطاب السياسي سواء من الرئيس ترامب أو وزير خارجيته مارك روبيو؛ لتستمر حالة التأرجح ما بين اقتراب ساعة الصفر لضربة أمريكية وبين مؤشرات مشجعة على اتفاق وشيك، خاصة وأن إيران تحاول أن تسيل لعاب الرئيس الأمريكي من خلال إثارة روح رجل الأعمال والصفقات بداخله.
إيران تسعى إلى إغراء دونالد ترامب بحوافز مالية بما في ذلك استثمارات في احتياطياتها الضخمة من النفط والغاز في إطار جهودها لإقناع الرئيس الأميركي بالموافقة على اتفاق بشأن برنامجها النووي وتجنب الحرب، وهو تغير نوعي كبير في نمط التفاوض الإيراني.
لكن إذا كانت تلك هي التطورات اللافتة أو المشجعة، فالتحشيد العسكري الأمريكي لا يزال مقلق أيضاً، بل يؤشر لأن قرار الضربة قد أتُخذ بالفعل؛ فقد تحرك الأسطول الخامس الأمريكي من البحرين، وتوجهت جميع السفن الحربية الأمريكية من الخليج العربي نحو بحر عُمان، ما يرفع احتمالية المواجهة العسكرية من 75% إلى 90% خلال الأيام القليلة القادمة (وربما الساعات).
تاريخياً، قامت الولايات المتحدة بهذا الإجراء (إخلاء الموانئ) قبيل انطلاق عملية ثعلب الصحراء 1998 وغزو العراق 2003. هذا يعني أن واشنطن تتوقع رد فعل إيراني عنيف على أي عمل عسكري أمريكي وشيك.
في علم الاستراتيجية التحركات الأمريكية هي إجراءات «ما قبل الاشتباك» بامتياز، ترامب يريد حماية أصوله الحربية الثمنية قبل أن يبدأ «اليوم السيئ للغاية» الذي توعد به.
إخلاء الموانئ إذا ما أضفنا له وصول 12 طائرة من طراز F-22 Raptor إلى قاعدة «عوفدا» في إسرائيل هو مؤشر «عملياتي» قوي على اقتراب ساعة الصفر، حيث تُستخدم هذه الطائرات لتحييد الدفاعات الجوية المتطورة في الضربة الأولى.
مهمتها الأساسية هي «التسلل» وتدمير الرادارات الإيرانية في الدقائق العشر الأولى من الهجوم دون أن يتم اكتشافها، وهو ما يعني أن خطط الحرب الأمريكية دخلت مرحلة التنفيذ الفعلي، انتظاراً للأمر النهائي من البيت الأبيض الذي قد يصدر فور انتهاء «اجتماع جنيف» في حال لم تقدم إيران تنازلاً دراماتيكياً.
الضربة لن تكون «حرباً شاملة» بالمعنى التقليدي (غزو)، بل ستكون «حملة جوية مكثفة» تستمر من 48 إلى 72 ساعة، تهدف إلى إرجاع البرنامج النووي الإيراني 20 سنة إلى الوراء، وترك النظام أمام خيارين: إما الجلوس على طاولة المفاوضات بشروط واشنطن الكاملة، أو مواجهة انهيار داخلي نتيجة الشلل الاقتصادي والأمني.
لكن يبقى الخطر الأكبر شاخصا في تداعيات اليوم التالي؛ والشكل والحدة التي سوف يكون عليها الرد الإيراني، فبينما تحمي أمريكا سفنها في عرض البحر، تظل المنشآت النفطية والمطارات المدنية في دول المنطقة هي الأهداف الأكثر عرضة للخطر في حال قررت طهران توسيع دائرة الصراع.
عامة لننتظر ونرى وندعو أن تتجنب المنطقة ويلات وتداعيات حرب جديدة الجميع في غنى عنها.














