ليست المسألة أن المنطقة تقف على أعتاب حرب جديدة، بل الأخطر أنها تقف على أعتاب إعادة تصميم كاملة، ما يجري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يمكن اختزاله في عنوان «النووي» أو «الردع».
هذه عناوين للاستهلاك السياسي، أما الحقيقة فتدور حول شكل الشرق الأوسط في السنوات القادمة من يملك قراره؟ ومن يحدد ملامحه؟
التحالف الأمريكي الإسرائيلي لم يكن يوماً مجرد تقاطع مصالح عابر، هو تحالف تأسس على رؤية استراتيجية ثابتة، ضمان تفوق إسرائيل، ومنع ظهور قوة إقليمية قادرة على فرض توازن جديد.
وفي هذا السياق، لا تبدو المواجهة مع إيران حدثًا منفصلًا، بل حلقة في سلسلة طويلة تهدف إلى ضبط الإقليم وإبقائه ضمن حدود لا تسمح بإعادة توزيع القوة.
واشنطن تتحدث عن الاستقرار، لكنها تقصد استقراراً بشروطها، تتحدث عن الحماية، لكنها تمارسها وفق أولوياتها لعقود، أقنعت دولا عربية بأن وجود قواعدها العسكرية هو الضمان النهائي للأمن.
صفقات سلاح بمليارات الدولارات، اتفاقيات دفاعية ممتدة، ووعود بأن المظلة الأمريكية لا تُخترق، غير أن التجربة أثبتت أن تلك المظلة تحسب خطواتها بدقة، وأن ردودها ليست دائمًا بحجم التوقعات عندما تمس النيران أراضي الحلفاء.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هل كانت هذه المنظومة الأمنية موجهة فعلًا لحماية الدول المضيفة، أم لضمان بقاء ميزان القوى الإقليمي في اتجاه واحد؟ الوقائع توحي بأن الأولوية القصوى ظلت دوما الحفاظ على تفوق إسرائيل ومنع أي تحول استراتيجي قد يقيّد حركتها.
الأشهر الماضية حملت مؤشرات تهدئة بين إيران وبعض العواصم العربية، حوارات مباشرة، استعادة علاقات دبلوماسية، ولغة أقل صداما، كان يمكن لهذا المسار أن يؤسس لتوازن إقليمي جديد، تدار فيه الخلافات داخل البيت الواحد بدل تدويلها، لكن التصعيد عاد سريعًا، وكأن فكرة التفاهم الإقليمي نفسها غير مرغوب في اكتمالها، فوجود خصم دائم يبرر استمرار القواعد، ويعيد شد الاصطفافات، ويُبقي المنطقة في حالة استنفار دائم.
الحديث عن تغيير النظام الإيراني قد يبدو هدفًا مباشرًا، لكنه ليس بالضرورة الغاية النهائية، إدخال الإقليم في حالة اضطراب ممتد قد يكون أكثر جدوى في حسابات القوى الكبرى، منطقة منشغلة بأزماتها، مستنزفة اقتصاديا، وحدودها قابلة للاشتعال في أي لحظة، هي بيئة تسمح بتمرير ترتيبات كبرى دون مقاومة صلبة.
وفي هذا المشهد، يصبح الكيان الأكثر تماسكًا هو الأقدر على فرض نفسه مركزا للثقل.
أما التصريحات التي صدرت مؤخرًا عن مسؤولين أمريكيين في تل أبيب، فلم تكن كلمات عابرة، السياسة لا تعرف المصادفات في لحظات التحول، ما يقال علنا غالبا ما يسبق خطوات تنفذ بهدوء على الأرض، الإشارات كانت واضحة هناك تصور أكبر من مجرد جولة عسكرية عابرة.
لكن وسط هذه الحسابات الاستراتيجية، يبقى الإنسان هو الغائب الأكبر عن طاولات القرار.. اقتصادات تتراجع مع كل تصعيد، أسواق تهتز، واستثمارات تتردد، شباب المنطقة يعيشون بين خبر عاجل وآخر، بين توتر سياسي وتوقعات قاتمة، الثمن لا يدفع في مراكز الدراسات، بل في تفاصيل الحياة اليومية.
الشرق الأوسط اليوم لا يقف أمام خيار الحرب أو السلام فحسب، بل أمام سؤال أعمق، هل سيبقى ساحة تدار فيها الصراعات بالوكالة، أم يمتلك إرادة إنتاج توازن إقليمي مستقل يقلل من الاعتماد على الخارج؟
التاريخ يثبت أن الفوضى لا تبقى محصورة داخل حدود مرسومة، وأن من يشعل النار لا يملك دائما التحكم في اتجاه الريح، لكن ما هو مؤكد أن استمرار المنطقة في دائرة التوتر الدائم يخدم أطرافا محددة تعرف جيدا كيف توظف الفوضى لصالحها.
والسؤال الذي يجب أن يطرح بوضوح، إلى متى يبقى الشرق الأوسط مشروعا مفتوحا لإعادة الهندسة، بدل أن يكون مشروعا لبناء استقرار حقيقي يصنعه أبناؤه؟














