أكتب اليوم لا بمداد الانفعال، بل بوعي اللحظة وخطورة المرحلة، أكتب لأن الصمت في أزمنة التحول العاصف ليس حكمة، بل تقصير، وأكتب لأن التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يحفظ مكانًا للضعفاء في خرائط النفوذ الجديدة.
إن منطقتنا العربية والإفريقية تتعرض لاختبارات متلاحقة؛ ضغوط سياسية، صراعات مصالح، سباقات تسلح، تحديات اقتصادية، وحروب معلومات تُدار من خلف الشاشات.
لم تعد المعركة تقليدية، ولم يعد الخطر ظاهرًا في صورة جيوش تتحرك فقط، بل في قرارات اقتصادية تُفرض، وأسواق تُخترق، وأمن غذائي يُهدد، ومياه تُنازع، وحدود تُختبر بصبرٍ طويل.
من هنا، فإن تفعيل منظومة عمل عربي مشترك، برؤية استراتيجية واضحة، ليس خطابًا حماسيًا ولا مشروع مواجهة، بل مشروع بقاء.
نحن لا ندعو إلى حرب، بل إلى ردعٍ يمنعها، لا نسعى إلى صدام، بل إلى توازن يحفظ الحقوق، فالسلام الحقيقي لا يُصان بالشعارات، بل يُحمى بالقوة المنظمة والعقل الجمعي الموحد.
إن جمهورية مصر العربية بما تمثله من عمق حضاري وثقل سياسي وعسكري، كانت ولا تزال ركيزة استقرار في محيطها، لم تُعرف مصر يومًا كمعتدية، لكنها عُرفت دائمًا كدولة تعرف متى تتحرك، وكيف تحمي أمنها القومي، وكيف توازن بين الحكمة والحسم.
ومصر حين تدعو إلى تنسيق عربي–إفريقي أشمل، فإنما تدعو إلى بناء منظومة حماية جماعية، تُغلق أبواب الفراغ، وتمنع اختراق القرار الوطني.
إن فكرة القوة العربية المشتركة لا تعني عسكرة المنطقة، بل تعني تحصينها، تعني أن تكون لدينا عقيدة دفاعية واضحة، تقوم على أن أمن أي دولة عربية أو إفريقية هو جزء لا يتجزأ من أمن الجميع.
تعني أن يكون لدينا تنسيق استخباراتي فاعل، تدريبات مشتركة، صناعات دفاعية تكاملية، وخطط طوارئ مدروسة، بحيث لا نفاجأ ولا نُبتز ولا نُستدرج.
لكن القوة ليست بندقية فقط، بل اقتصاد متين.
إن الأمن القومي يبدأ من رغيف الخبز، ومن المصنع الذي يعمل، ومن المزارع الذي يُنتج، ومن الشاب الذي يجد فرصة كريمة في وطنه.
لا يمكن أن نتحدث عن حماية الدول ونحن نستورد غذاءنا بالكامل، أو نرهن قرارنا الاقتصادي للخارج، إن التكامل العربي–الإفريقي في مجالات الطاقة، والزراعة، والتصنيع، والتكنولوجيا، هو الجدار الحقيقي الذي يحمي الاستقلال السياسي.
وليعلم الجميع أننا لسنا دعاة حرب، ولا طلاب نزاع، نحن أبناء حضارة عرفت معنى الدولة قبل أن تُكتب مفاهيم الدولة الحديثة.
نحن مع القانون الدولي، مع احترام سيادة الدول، مع التعايش، مع الشراكات المتوازنة التي لا تمس الكرامة ولا تُقيد الإرادة، لكننا في الوقت ذاته نرفض أن تتحول منطقتنا إلى ساحة صراعات بالوكالة، أو إلى أسواق مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية.
إن المرحلة تتطلب شجاعة قرار، لا بيانات مجاملة، تتطلب رؤية تتجاوز الحسابات الضيقة، وتضع أمن الأمة فوق أي اعتبار آخر، فالأمن لا يُجزأ، والسيادة لا تُباع، والاستقرار لا يُستورد.
من أراد سلامًا دائمًا، فليؤسس له قوة تحميه، ومن أراد احترامًا دوليًا، فليصنع كتلة متماسكة تُحسن التفاوض وتُجيد الردع.
إنني أوجه هذا النداء من منطلق المسؤولية الوطنية والقومية، لا من باب التصعيد، فالتحالف الواعي يحفظ الدماء، والتنسيق المبكر يمنع الأزمات، والوحدة الصلبة تُغني عن المواجهة، التاريخ يُثبت أن الدول المتماسكة تُحترم، وأن الدول المتفرقة تُستنزف.
هذا هو النداء الأخير… نداء العقل الاستراتيجي قبل العاطفة، نداء السيادة قبل التبعية، نداء التكامل قبل التنازع.
لسنا دعاة حرب… بل دعاة قوة عادلة، وقوةٍ تحمي السلام، وسلامٍ يصونه التكاتف العربي–الإفريقي، لتبقى أوطاننا آمنة، مستقرة، مرفوعة الرأس بين الأمم.
قيادي عمالي ومحلل سياسي














